عريب الرنتاوي✍️الأردن وإسرائيل في ورشتين: نحو إعادة نظر في الفرضيات المؤسسة للعلاقة

بفارق أربع وعشرين ساعة، التأمت في عمان، ورشتا عمل، واحدة مفتوحة والثانية مغلقة، الأولى تناولت المشهد الفلسطيني وانعكاساته على الأردن، مع تركيز خاص على العلاقات الأردنية – الإسرائيلية، والثانية، خَصصت مداولاتها للحديث عن “ساعة الحقيقة” في هذه العلاقات، في إشارة إلى اقترابها من “مفترق” لن يكون ما بعده كما قبله.
الورشتان من تنظيم مركزي دراسات وأبحاث، حديثين نسبياً، ومقربين بهذه الدرجة أو تلك، من مراكز صنع القرار في الأردن، والمشاركون فيهما، توزعوا ما بين مسؤولين كبار سابقين، رؤساء حكومات ونوابهم ونواب وأعيان، وكتاب ومحللين سياسيين من أطياف مختلفة، في دلالة على الأهمية القصوى المتزايدة، التي تحظى بها هذه القضية في قلب جدول الأولويات الأردنية.
لا يخفى على أحد، أن انفراجاً نسبياً كان طرأ على العلاقات بين الأردن وإسرائيل بعد رحيل حكومة بنيامين نتنياهو، ومجيء حكومة الائتلاف بزعامة الثنائي بينت – لبيد … لكن هذا الانفراج، سيشهد تطوراً سلبياً متسارعاً خلال شهر رمضان المبارك، وارتفاع حدة المواجهة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وتزايد عمليات القتل والاعتقال في صفوف الفلسطينيين، والتي بلغت ذروة دامية باستشهاد شرين أبو عاقلة، الصحفية المرموقة في قناة الجزيرة، قبل أن تدخل هذه العلاقات، في نفق التراشق المتبادل، على خلفية تصريحات بينت التي تنكّر فيها للرعاية الهاشمية للمسجد الأقصى، وتهديدات بعض المسؤولين الإسرائيليين، وإن كانوا “سابقين” بتحويل الأردن، إلى “دولة فلسطينية”.
على أن البحث في الورشتين المذكورتين، تخطى اللحظة الراهنة بتداعياتها وارتداداتها المباشرة، إلى ما يمكن وصفه بمراجعة أشمل للقواعد المؤسسة لهذه العلاقات، والفرضيات التي تحكمها، والرهانات التي تُبنى عليها، فيما يمكن اعتباره، إعادة نظر جذرية في راهن ومستقبل هذه العلاقات:
الفرضية الأولى: وتقول، إن إسرائيل اليوم، ليست إسرائيل التي أَبرم الأردن معها معاهدة السلام في العام 1994، ذلك أن مياهاً كثيرة قد جرت في أنهار المنطقة، ما انفكت معها إسرائيل تنزاح صوب التطرف الديني والقومي، وأن مكانة “لوبي الاستيطان” في صنع السياسة الإسرائيلية، والمتطرفين “الحريديم” قد تزايدت كما لم يحدث من قبل منذ بدء الصراع العربي – الإسرائيلي….بهذا المعنى يبدو الانقسام الجوهري في إسرائيل اليوم، بين يمين متطرف وآخر أكثر تطرفاً، فالحكومة يطغى عليها المكون اليميني، والمعارضة يجلس اليمين على معظم مقاعدها، وليس منظوراً في المدى المرئي أن يتأتى عن أي انتخابات إسرائيلية، مبكرة أو في موعدها، انقلاباً في المشهد الإسرائيلي، فالمشكلة تكمن في التحولات البنيوية للمجتمع الإسرائيلي، وليس في الطبقة السياسية وحدها.
الفرضية الثانية: تقول، إن أمن الأردن جزء من أمن إسرائيل، وأن مصلحة الأخيرة تتطلب حفظ أمن الأردن واستقراره … هذه الفرضية، يجادل البعض بأنها كانت صحيحة طوال سنوات وعقود، وأنها ما زالت صالحة حتى يومنا هذا، في حين يرى البعض أن صلاحية هذه الفرضية قد انتهت منذ أن تكرس “الانقلاب اليميني” في إسرائيل، بيد أن ثمة كتلة متزايدة من الأردنيين (87 بالمئة من الأردنيين)، في الدولة والمجتمع، بدأت ترى أن تهديد أمن الأردن واستقراره، بات مصلحة إسرائيلية، وأنه يمكن أن يكون طريق هذا اليمين الوحيد للخلاص من “فائض الديموغرافيا” الفلسطيني، سواء بالترانسفير الذي لم يعد مستبعداً بالكامل، أو من خلال صيغ فيدرالية أو كونفدرالية مفروضة، تُخرج غالبية الفلسطينيين العظمى من مظلة السيادة الإسرائيلية، مع أقل مساحة ممكنة من أرض الضفة الغربية، وبالذات منطقتي “أ و ب” بموجب تقسيمات أوسلو، والتي لا تزيد عن 40 بالمئة من إجمالي مساحتها .





