أخبار

عريب الرنتاوي يكتب:عن الاتفاق النووي.. وما بعده

تسامح نيوز- الخرطوم

دون التقليل من شأن الخلافات التي أخّرت عودة الأطراف إلى اتفاق فيينا النووي، وبعضها ربما مازال قائما، فإن للمماطلة والتأخير في حسم المفاوضات، أسباباً أخرى، يعود أهمها إلى حاجة الطرفين، إلى تسويقه داخلياً وللحلفاء..
طهران تريد تدوير الزوايا الحادة في مواقف صقورها، وواشنطن ينتظرها جمهوريون ومحافظون رافضون للاتفاق، دع عنك الحلفاء القلقين والمتوجسين خيفة من صفقة تضعهم، وفي طليعتهم إسرائيل..الأطراف كانت بحاجة إلى مزيد من الوقت لتسويق الاتفاق، والبرهنة للمتربصين بأن ”ليس بالإمكان أبدع مما كان“، وكان لها ما أرادت.
مثال ذلك، الموقف من ”الحرس الثوري“، واشنطن تزعم أمام منافسيها بأنها نجحت في إرغام طهران عن شرطها ”رفع الحرس من القائمة السوداء“، بينما تنفي طهران الرواية برمتها، وتزعم أنها لم تشترط أمراً كهذا، مع أن من المنطقي، أن يكون ”رفع الحرس“، شرطاً إيرانياً، وإن في صورة مطلب على الأقل، وكان واضحاً منذ عدة أشهر، أن الصفقة التي بلورها الأوروبيون، تقتضي إبقاء الحرس في القائمة، حفظاً لماء وجه بايدن، ورفع العقوبات تدريجياً عن مؤسساته الاقتصادية والمالية، التي تكاد تبتلع نصف الاقتصاد الإيراني، استجابة للمطلب/الشرط الإيراني.
الطرفان يبحثان عن ”صورة انتصار“، فبهذه الطريقة وحدها يمكن تسويق الاتفاق وتسويغه.. و“معادلة رابح – رابح“ تعود من جديد بعد سبع سنوات عجاف، لتحكم نتائج الماراثونات التفاوضية بين إيران والولايات المتحدة، بوساطة المجتمع الدولي وشهادته.. ويبدو أن الأطراف ستحصل على هذه الصورة، وستصوغ تلك المعادلة.
أمتار قليلة تفصلنا عن خط النهاية، والمرجح وفقاً لتقديرات متطابقة لمختلف الأطراف، أن يُبرم الاتفاق في غضون أيام..الدبلوماسية تُظهر مرة أخرى، أنها قادرة على اجتراح المعجزات، إن توفرت النية لجسر الفجوات والخلافات، وإن توفرت للأطراف القناعة الراسخة، بأن لا خيار آخر أقل كلفة عليها، من الخيار الدبلوماسي..فيينا قدمت مثالا حيّاً وملموساً، على قدرة الدبلوماسية على الانتصار.
لكأننا ندخل مهرولين إلى مرحلة ما بعد الاتفاق، فالتسريبات تشير إلى مراحل وحقب زمنية متتالية، قصيرة الأمد، لإنجاز ”رفع العقوبات مقابل وقف عمليات التخصيب المقلقة“..
وثمة تداعيات لهذا الاتفاق، لا بد أن عواصم المنطقة والعالم قد درستها بدقة وعناية وتوسع، منها؛ أن إيران ستتوفر على عشرات مليارات الدولارات من أرصدتها المجمدة، بدءا بكوريا الجنوبية، وأضعاف أضعافها من عائد نفطها وغازها اللذين سيعودان إلى الأسواق الدولية، من بوابة العرض والطلب، وليس عبر قنوات التهريب أو التسلل..
هذا سيريح اقتصاد إيران المثخن بالعقوبات، ويعطي طهران اقتدارا ماليا واقتصادياً، ينضاف إلى اقتدارها العسكري. ومنها أيضا؛ أن الاتفاق ستكون له انعكاسات مباشرة على ”قوس الأزمات“ الذي يضرب المنطقة، من اليمن إلى لبنان، مروراً بسوريا والعراق، بدءا بتسريع خطوات التقارب السعودي – الإيراني النشطة عبر القناة البغدادية..
هذان عاملان حاسمان ”Game Changers“، في طول الإقليم وعرضه، وهما وإن كانا منفصلين في موضوعاتهما وأطرافهما، إلا أن ثمة ”حبل سُريٌّ“ يربط بينهما، فالتقدم على درب فيينا سيسهم في تفتيح وتوسيع قناة بغداد بين الجارتين الكبريين.
من السابق لأوانه، معرفة كيف ستتصرف إيران حيال بعض الأزمات الإقليمية المفتوحة، هل ستواصل ما اعتادت فعله، أم أنها ستعطي أولوية لترميم الاقتصاد وتوسيع عوالم التجارة والأسواق والمال والمصارف.. لكن بكل تأكيد، سيكون لدى إيران ما ستخسره، إن هي ذهبت أبعد في مشاريع المواجهة الإقليمية.
هل سيكون للاتفاق وانفراجاته، وتراجع خطر ”العدو الخارجي“ أثر ”البيريسترويكا“ على إيران، وهل تصح رهانات بعض أركان إدارة أوباما، بأن التغيير في إيران لا بد سيسلك ”المسار السوفياتي“: من الداخل، وليس من الخارج؟
كيف سيتصرف حلفاء إيران، وتحديداً روسيا، التي ستجد في نفطها وغازها، منافساً قوياً إلى حد ما، لورقة الطاقة القوية التي يحتفظ بها بوتين قريبة من صدره؟..
هل ستحافظ إيران على شعارها: ”لا شرقية ولا غربية“ الذي أخذ يتحول إلى شعار ”التوجه شرقاً“ في السنوات الأخيرة؟ …من السابق لأوانه الإجابة على كل هذه الأسئلة والتساؤلات، وإن كانت مشروعة تماماً، وإستراتيجية إلى أبعد مدى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى