عمار العركي: حتــى متــى يقــع إعلاميــو حرب الكرامــة في فــخ الخــارج؟
متابعات | تسامح نيوز

عمار العركي: حتــى متــى يقــع إعلاميــو حرب الكرامــة في فــخ الخــارج؟
من الملاحظ أن كثيرًا من إعلاميي وصحفيي، معسكر حرب الكرامة — وأقصد هنا أولئك الذين هم فوق الشبهات — يقعون، عن قصد أو دون قصد، في فخ الإعلام الخارجي وتصريحاته وقراءاته للمشهد الداخلي .
تُنشر تصريحات لمسؤول غربي أو بيان لحكومة إقليمية او مجلس وزرائها او حتى مجرد تحليل رغائيبي “مُفخخ” ، فيُبنى عليه المقال التحليلي، ويُشاد عليه التناول الصحفي، وتُرسم بناءً عليه السيناريوهات القاتمة لمستقبل السودان، بينما تمر بيانات الحكومة وقيادتها مرور الكرام، لا تجد من يناقشها أو يحللها أو حتى يستند إليها.

كثير من الصحفيين وقعوا ضحيةً لتصريحات المستشار الأمريكي بولس – وللتصريحات الخارحية ذات الصلة – عن فزاعة «ووهمة» الرباعية، وكأنها محاولة لتسويق أوهام جديدة بعد أن انكشفت أوهام قديمة ، وطفقوا يبنون عليها ويقررون ويرسمون سيناريوهات مظلمة وقاتمة لمستقبل السودان، وكأنما قول بولس والتصريحات الخارجية ، قولًا فصلاً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
لكن سرعان ما تبدّل حالهم ومقالهم بعد تصريحات القائد العام الفريق أول عبد الفتاح البرهان في عزاء الشهيد بحول الله، المقدم مزمل عبدالله ميرغني .، والتي بددت تلك الظلال الحالكة وأعادت الأمور إلى نصابها.
والمفارقة أن ما قاله البرهان لم يكن جديدًا أصلًا، وإنما هو تأكيد لما ظلت القيادة تكرره من ثوابت ومواقف واضحة منذ اندلاع الحرب، لكن كثيرين لا يوقنون بأن الثقة في القيادة يجب أن تكون سابقة على أي تصريح خارجي، ولا يرون أن المصداقية الوطنية هي الأصل، بينما يركنون ويهتزون لأي صوت يأتي من خارج الحدود ، ويجعلونه الأساس والمنزّه من كل غرض ومرض.

أما الإعلاميون والصحفيون المحاطون بالشبهات والأجندات، فالأمر بالنسبة لهم مختلف تمامًا، إذ يجدون في كل تصريح خارجي مادة جديدة للاحتفاء والترويج، وفرصة لزيادة الغلة الإعلامية والكسب الشخصي، ولو على حساب الحقيقة والوطن.
هذه الرمية — كما يقول أستاذنا البروفيسور البوني — تأتي في سياق الجدل المثار حاليًا حول التوضيحات الصحفية الأخيرة لوزير الإعلام والثقافة والسياحة الأستاذ خالد الأعيسر، والتي خلاصتها فك الارتباط بين الوزارة والحكومة فيما يتعلق بمهمة الناطق الرسمي باسم الحكومة، وحصر الوزارة في مهامها واختصاصاتها التقليدية.
ولعمري، فإن هذا عين العقل والمنطق؛ إذ يركز الجهود في الأصل لا الفرع، ويرتب البيت الداخلي قبل بيت الجيران، ويعيد للوزارة دورها المهني في إدارة المشهد الإعلامي لا التحدث باسم الحكومة.
ومن أولى أولويات وزارة الإعلام اليوم أن تضبط الأداء الإعلامي والصحفي على كافة المستويات، وأن تحسم حالة الفوضى التي تسود الساحة الصحفية، حيث تتطاير المقالات والتعليقات في الفضاءات والآفاق ، بلا ضابط ولا بوصلة، فتثير التلوث والضباب والإرباك بقصد أو بغير قصد، في توقيت لا يحتمل الارتباك.
وعلى وزير الإعلام كذلك أن يضبط أداء فئة من الصحفيين نصّبوا أنفسهم أوصياء وخبراء ومرجعية في كل شأن، ومستشارين لكل قضية، يقحمون أقلامهم وألسنتهم في كل موضوع، وهم يظنون أنهم وحدهم المحيطون بكل شيء، بينما هم — في حقيقتهم — لا يعلمون ولا يفقهون شيئًا.
لقد تحولت بعض المنابر إلى ساحات للتنظير المجاني، وبعض الأقلام إلى منصات للتضليل المغلف بالثقة الزائفة والخبرة المدعاة، حتى ضاعت المهنية وتراجعت الهيبة وتاهت الحقيقة بين ضجيج المدّعين.
خلاصـة القـول ومنتهـاه
إلى السيد وزير الإعلام والثقافة والسياحة الأستاذ خالد الأعيسر… اليد الواحدة لا تُصفّق، خاصةً وأنت “أعيسر”! فما نراه اليوم أن الوزارة لا صوت لها ولا أثر إلا صوت الوزير وحده، وكأنها بلا أدوات ولا أذرع إعلامية ولا كوادر تتحرك في الميدان. فأين الإدارات؟ وأين الطاقات الصحفية والإعلامية التي يفترض أن تكون ذراع الوزارة وسلاحها في معركة الوعي والحقيقة وكشف الزيف والتغليف؟ إن الوزارة — وهي المعنية بضبط الإيقاع الإعلامي وتنظيم الأداء المهني — لا يجوز أن تبقى رهينة لجهد الوزير الفرد، ولا أن تغيب عن المشهد إلا حين يتحدث هو.
فالمرحلة تتطلب تحريك الأدوات الإدارية والبشرية، واستدعاء العقول و الخبرات داخل الوزارة، و الاستعانة بها في معارك الوزارة الخاصة والعامة ، ولتصبح الوزارة جسمًا حيًا نابضًا، لا واجهةً ساكنة تتكلم فقط حين يتكلم الوزير. فالإعلام لا يُدار بالصوت الواحد، ولا يُحرس بالتصريحات، بل يُبنى بالتفاعل، وبالعمل الجماعي الذي يرفع صوت الإعلام الوطني فوق كل ضجيج آخر.





