
عمار العركي: سقوط الفاشر.. سقوط الرواية المأجورة!
في توقيت لافت، تكثفت المقالات الدعائية المرتبطة بمحور المليشيا والحُلفاء من العُملاء المحليين والداعمين الإقليميين، لا سيما الإمارات، تروّج لخطاب صادم ومشحون بالعاطفة والافتراضات الكبرى، كحديثهم عن “الساعة صفر” و”اجتياح السودان”، و”حكومة الاحتلال”، و”المؤامرة الإسرائيلية-الإماراتية”. هذه المقالات، ومن بينها ما نُشر مؤخرًا حول سقوط الفاشر كمفتاح لاجتياح السودان، لا تعبّر عن ثقة، بل تكشف حالة من الارتباك النفسي والاضطراب السياسي، نتيجة متغيرات خطيرة تُعاد هندستها في الكواليس الدولية والإقليمية.

ما يجري إعلاميًا ليس مجرد “حرب رأي”، بل جزء من حرب نفسية وقائية، تستبق تحولات بدأت فعليًا بالحدوث، وأبرزها التحول الأميركي الأخير في مقاربة الملف السوداني. فبعد فترة من الغموض واللعب علي كل الحبال ، أعلنت واشنطن رسمياً اتهام المليشيا بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بل وجرائم إبادة جماعية في غرب دارفور. لم يكن هذا التحول عرضياً، بل جاء محمّلاً برسائل مباشرة وغير مباشرة، ليس فقط لقادة المليشيا، بل أيضًا للدول التي دعمتهم وسلّحتهم وموّلت تحركاتهم.
التحوّل الأميركي لا يقتصر على الإدانة، بل يحمل في طياته مقدمة لتسوية مُعلنة ومرتقبة، يجري الإعداد لها بعيدًا عن أجندة المليشيا، وبتنسيق مع أطراف إقليمية باتت تشعر بأن المشروع الانقلابي يترنح، وبأن الاستثمار فيه قد يتحول إلى عبء سياسي وأمني واقتصادي

وهنا، يصبح مفهومًا هذا الضجيج الإعلامي المفتعل، وهذا التورم الخطابي الذي يحاول تعويض النزيف الميداني، والانكشاف السياسي، والضغوط القانونية القادمة.
ويكفي أن نُمعن النظر في بعض هذا الخطاب لندرك حجمه الهش والمأزوم. فإحدى المقالات التي تم الترويج لها على نطاق واسع مؤخرًا، تمثل نموذجًا فجًّا لهذا التهافت، حيث يتحدث كاتبها عن سقوط الفاشر كإعلان لاجتياح السودان، وعن حكومة بديلة تستعد للتدشين، وكأن البلاد بلا دولة، أو أن مؤسساتها قد انتهت بمجرد مقال أو مظاهرة .
والحق أن هذا النوع من الخطاب لا يعكس سوى حالة من الهذيان السياسي الناتج عن حُمّى التحول الأميركي المقلق. لقد بدأت أعراض هذه الحُمّى فعليًا بمظاهرات نساء نيالا، التي رُفعت فيها شعارات أقرب إلى الهلوسة، تتحدث عن افتتاح وشيك لحكومة بديلة وتدشين مرحلة “تحريرية” موعودة. ثم جاء الترويج لسقوط الفاشر باعتباره سقوطًا للسودان كله “كده وبكل بساطة”، في قفز فادح على الواقع والمعطيات وموازين القوى.
لكنهم يرفضون الاعتراف بالحقيقة: أن الفاشر، بعون الله وصمود أهلها، أصبحت “رابعة” المستحيلات الثلاثة؛ أصبحت كالغول والعنقاء والخلّ الوفي، رمزًا للصمود الوطني، لا تُكسر بسهولة، ولا تُؤخذ بالخداع أو التهويل الإعلامي.
هي اليوم عنوان التحدي الأخير في وجه المخطط المدعوم خارجيًا، وعنوان المرحلة التي تؤكد أن السودان لا يُبتلع، ولا يُدار من أبوظبي أو نيروبي أو تل أبيب، وأن الخرطوم لا تُختزل في بيان، ولا تُؤسس بديلتها في نيالا.
إنه فتح من الله ونصر قريب، لا يفهمه من ارتضى أن يكون أداة لمشاريع الغير، ولا يتذوقه من ظنّ أن الشعوب تُهزم بمقال، أو أن الأوطان تسقط ببيان.





