عمرو منير دهب يكتب : كأنهم يمثلون

الخرطوم /تسامح نيوز
nasdahab@gmail.com
ليس غريباً تماماً أن يقف بك الزمان حيناً عند مرحلة باكرة من العمر (هي في الغالب الصبا أو بواكير الشباب)، ولكن من الغريب قليلاً أن يمتدّ بك الأمر لترى من حولك أيضاً عند ذلك الزمان (كلّاً بحسب عمره حينها)، أمّا الغريب الذي لا مراء في غرابته فهو أن يبدو لك مَن حولك – ممن بلغوا من الشيخوخة ما لا تراه وهم يمشون في ثِقَل متوكِّئين على عِصيِّهم – كأنهم يمثــِّـلون.
من لا يرى ما بلغه الكبار حوله من الشيخوخة يمارس حيلة الإنكار النفسية، فهو في الواقع لا يريد أن يرى، وعندما يظهر من دلائل الكِبَر ما يصعب تجاهلُه كالاتكاء على العصا في المشي فإن رؤية ذلك العجز على أنه تمثيل ليست سوى إيغال في الإنكار النفسي.
وإنكار الواحد أن يكون أعزاؤه من المقربين قد هرموا إنما هو من بواعث محبّتهم والحرص عليهم، ولكنه بصورة موازية (وربما بشكل أعمق وأسبق) محبّة للنفس وحرص عليها، فأن يهرم عزيز عليك معناه ضمناً أنك اقتربت من الهرم بدرجة أو أخرى، وعليه فإن تجاهلك لعلامات الهرم في الأكبر منك سنّاً من المقربين هو إقرار ضمني (لا ينقصه سوى أن يكون حقيقة) بأنك تعيش في سلامة تامة من الشيخوخة.
الناس تحب أن تعيش أطول فترة ممكنة في منأى ومأمن من الشيخوخة، ليس بسبب ما قد يصاحبها من أمراض أو حتى وَهَن بل لأن الشباب يكاد يكون المرادف لمعنى الحياة حسيّاً ومعنوياً، والأخيرة هي الأهم في سياق المقصود من هذه الفقرة، فالتقدُّم في العمر قد لا يصاحبه من علل الجسد ما ينغــِّـص حياة العجوز البدنية ولكن يصعب حتى مع تلك العافية – التي قد يعدم كثيراً من مظاهرها بعضُ الشباب – أن يسلم كبيرُ السن من الملل ليس من طول مصاحبة الحياة وإنما إحساساً بأنها تهب أفضلَ ما لديها لمن هم دونه في العمر، وبأن القادم من الوهن مؤكَّد حتى إذا أبطأ قليلاً أو كثيراً.
من تــُـصدِّق أنه عجوز هو من نشأتَ وهو عجوز، أما من صَحِبتـَه في شبابه – وأنت صغير – فهو الذي تكابر في الوقوف على علامات كِبَره ويكون من الأيسر لك أن تراها على أنها ليست حقيقة: تمثيل من قِبَله أو تهيؤات من جانبك أو خدعة من قبيلٍ ما تمازحك بها الحياة.
ولكن مهما بلغ الواحد من إنكار الهرم في غيره من المقربين عندما تصيبهم بعضُ علامات الكِبَر الثقيلة فإنه لا سبيل إلى تخطِّي مثل تلك العلامات إذا نالت من المرء نفسه. وربما كان العكس صحيحاً كذلك، فعلامات الكِبَر غير الثقيلة سهلة التجاوز وهي تصيب الواحد بينما هي موضع ملاحظة وتدقيق عندما يراها أحدهم فيمن حوله من الأعزاء.
وقد تكون علامة الهرم كبيرة ولكنها غير ثقيلة كالشيب والصلع المغرِيَيْن بالإنكار في عين صاحبهما تحايلاً بالصبغة والشعر المستعار أو حتى بدونهما، في حين يبدوان موضع مراقبة وربما مكايدة عندما يحلّان ضيفين ثقيلي الظل على أحد المقربين. أما الثقيل من علامات الكبر فهو ما يجثم على كاهل صاحبه (أو غيره من الأعضاء) فيعيقه عن خفة الحركة في أيٍّ من أشكالها بما لا يقبل الإنكار حتى إذا كان مفاجئاً للآخرين من حوله وصعب التصديق. وعلى هذا فإن إحدى علامات الكبر الصغرى قد تغدو علامة ثقيلة كآلام المفاصل تفاجئ “شاباً” في مقتبل الأربعين بصورة حادة ومزمنة وليست على هيئة مناوشات خفيفة كما هو الحال عند أترابه.
ولأنه لا الكِبَر ولا الزمان قد آتيا أيّاً منا موثقاً بعدم المساس مطلقاً، أو حتى بعدم المساس في وقت باكر، فإن من ينظر إلى من هرموا حوله فيتهيّأ أنهم يمثِّلون دورَ العجوز إنما هو الذي يمثِّل دور المتغابي في إدراك حقائق الوجود من ذلك الطراز الثقيل.
عند منعطف ما يدرك أشدُّ المغالطين أنفسَهم لجاجةً أن الكِبَر حقيقة مثلما أن الفناء حقيقة، وأن الإنكار أو التجاهل ليس أيٌّ منهما سوى حيلة لذيذة للاستمتاع بحياة مؤقتة لن تجدي معها لا المواجهة ولا الالتفاف – مهما تعصَّب المجادلون على الطرفين – عندما يتعلّق الأمر بحلم الخلود، خلود الحياة وخلود الشباب على حدٍّ سواء.





