
عندما تفشل الدولة في حسم ملف المتعاونين… فإنها تُدرّب العدو داخل بيتها !
كتب – لؤي اسماعيل مجذوب
ليست قضية خالد بحيري هي الصدمة، الصدمة الحقيقية أن الحكم صدر وكأن الدولة تحاكم فعلاً عابراً لا مشروع خيانة مكتمل الأركان. المؤبد هنا ليس عدالة، بل رسالة. رسالة يقرأها المتعاون قبل الضحية، ويفهم منها أن سقف المخاطرة منخفض، وأن الانخراط مع المليشيا ليس مقامرة خاسرة، بل خيار يمكن التفاوض على ثمنه لاحقاً في قاعة محكمة.
المتعاون لا يرى الدولة كما نراها نحن، لا يقرأ القانون كنص أخلاقي، ولا يخشى الشعارات، هو كائن براغماتي بارد، يقيس الأمور بميزان واحد: ما الذي سأخسره؟
وحين يرى أحكاماً مخففة، وإفراجات بالنيابة، وتعذّر شهود، وترافعاً حارّاً من بعض المحامين، فإنه يصل إلى خلاصة واحدة: الدولة مترددة… والدولة المترددة لا تُخيف.

هنا تحديداً يبدأ الفشل الاستراتيجي.
فشل حسم ملف المتعاونين ليس خللاً قانونياً فقط، بل عطب في فلسفة الأمن الوطني نفسها. الدولة التي تخوض حرب وجود، ثم تسمح للعدو بأن يحتفظ بشبكاته المدنية، وبواجهاته الاجتماعية، وبعيونه داخل الأسواق والأحياء، هي دولة تقاتل بيد، وتفتح خاصرتها باليد الأخرى.
كل التجارب، بلا استثناء، تؤكد حقيقة واحدة: الحروب لا تُخسر في الجبهات الأمامية فقط، بل تُخسر أولاً في المدن الرخوة.
مدني لم تسقط فجأة، النهود لم تُؤخذ اقتحاماً، الأبيض إن تُركت لهذا التراخي فلن تحتاج المليشيا لدبابة واحدة.
القصور ليس في النصوص وحدها. القوانين السودانية – حتى في صيغها الحالية – تتيح توصيف الخيانة والحرابة والتآمر المسلح. لكن المشكلة في ثلاث دوائر قاتلة:
أولاً: انفصال العقل الأمني عن المسار القضائي.
الأجهزة تجمع معلومات استخبارية، لكن لا تُترجم إلى ملفات قانونية محكمة. تُدار المعركة الأمنية بمنطق التحري، بينما تُدار المحكمة بمنطق الواقعة المجردة، فيضيع السياق، وتسقط الصورة الكاملة، ويُحاكم المتعاون كفرد لا كحلقة في شبكة عدائية.
ثانياً: الخوف المزمن من “التسييس”.
هذا الخوف المشلول جعل الدولة تتردد في استخدام أدواتها السيادية كاملة، وكأنها تخشى الاتهام أكثر مما تخشى الانهيار. بينما الواقع يقول: لا دولة في حالة حرب تُعامل المتعاون كمتهم عادي. هذا منطق السلم… ونحن في حرب.
ثالثاً: دوائر رمادية داخل الدولة.
ليست بالضرورة خيانة صريحة، لكنها تواطؤ سلبي: موظف يؤخر، نيابة تتساهل، جهة أمنية لا تضغط، قاضٍ يتحصن بالحد الأدنى من النص. هذه الدوائر أخطر من المتعاون نفسه، لأنها تمنحه مظلة نجاة.
انظر إلى المتعاون كيف يرى الدولة اليوم:
يراها ضعيفة الإرادة، كثيرة الأعذار، متسامحة حيث يجب أن تكون قاسية، ومترددة حيث يجب أن تكون حاسمة.
وهذا أخطر توصيف يمكن أن تحمله دولة تحارب.
أما المواطن… فجرحه أعمق.
المواطن الذي فقد بيته، أو شقيقه، أو أمانه، ثم يرى من سهّل للمليشيا، أو موّلها، أو أدار إدارتها المدنية، يخرج بحكم “مخفف”، هذا المواطن لا يفقد ثقته في القضاء فقط، بل يبدأ في الشك في جدوى الدولة نفسها. وهنا نكون قد خسرنا المعركة الأخطر: معركة الشرعية النفسية.

الحسم المطلوب ليس انتقاماً، بل ردعاً استراتيجياً.
والردع لا يُبنى بالخطب ولا بالنيات الحسنة، بل بمنظومة متكاملة:
توصيف المتعاون كـ فاعل عدائي داخلي لا كجريمة فردية.
إنشاء مسار قضائي خاص بجرائم الحرب والتعاون، مرتبط مباشرة بالملفات الاستخبارية.
تجريم الدعم غير المباشر، والإيواء، والتمكين الإداري، لا مجرد حمل السلاح.
تسريع المحاكمات، وعلنيتها المدروسة، لأن الردع رسالة قبل أن يكون حكماً.
والأهم: قطع الطريق نهائياً أمام الإفراجات الرمادية.
الدول التي نجت من التفكك لم تتسامح مع الخلايا النائمة. لا إيران، ولا غيرها. لأن الجاسوس لا يُربّى… يُقتلع. والمتعاون لا يُعاد تأهيله أثناء الحرب… يُحسم أمره.
إذا لم تُغلق الدولة هذا الملف الآن، فستُفتحه لاحقاً بدمٍ أكثر، وخسائر أكبر، وندم لا يفيد.
الرسالة يجب أن تكون واضحة وبسيطة، يفهمها المتعاون قبل القاضي:
هذه دولة لا تُهادن من خانها… ولا تترك خنجره في خاصرتها.
غير ذلك، سنظل نحاكم النتائج، ونتجاهل الجذر، حتى نستيقظ على مدنٍ أخرى تُساق إلى المصير نفسه… ونحن نناقش “تخفيف العقوبة”.





