
فؤاد قباني: أهو كلام والسلام.. سكر… سكر… سكر
تعدّ صناعة السكر في السودان من الصناعات التي قامت على دراسات علمية مستفيضة، فجاء اختيار المواقع بدقة ليكون أحد أهم عوامل نجاحها. وكانت أول زيارة رسمية لي لهذه المصانع بطلب من المدير الهندسي المهندس سيف الدين الوقيع، لمعالجة مشكلة في عملية التجفيف أدت إلى تحول جزء من الإنتاج إلى بودرة. ولست بصدد الخوض في تفاصيل المعالجة، لكن المهم أن المهمة تكللت بالنجاح.
منذ دخولي مصانع السكر وجدتها عالمًا متكاملًا، وسودانًا مصغرًا، ونموذجًا للمدينة الفاضلة: انضباط في العمل، دقة في كل خطوة، تنظيم في دخول العمال وتبديل الورديات، حركة انسيابية في الزراعة ونقل القصب… فأي تأخير في حلقة من الحلقات قد يعطل المصنع بالكامل. مهندسون متمرسون، عمال خبراء يبتكرون حين يستدعي الأمر، وإدارات تعرف ماذا تفعل وكيف تدير.

وليس هذا فحسب، فإدارة المصنع مسؤولة عن حياة العاملين ومعاشهم: التعاونيات، الألبان، الخضار، اللحوم، البيض بأسعار مناسبة، والمدارس التي تديرها إدارة المصانع لأبناء العاملين. مجتمع متكامل يعيش في سلام.
لكن فجأة، جاءت الحرب التي استهدفت مقدرات البلاد ومنجزاتها، فكانت مصانع السكر من أولى ضحايا التخريب، فتوقفت المصانع وتشتت العاملون كما تشتت غالب أهل السودان.
وتظهر هنا أسئلة ملحّة:
كيف نعيد المصانع إلى ما كانت عليه؟
كيف نعيد الحقول؟
كيف نعيد الإنسان الذي شكّل السكر جزءًا من حياته وهويته وعمله؟
لقد شهدت صناعة السكر في السنوات الأخيرة تراجعًا خطيرًا نتيجة ضعف التمويل وغياب الإدارات القادرة، ما أدى إلى تدنٍ مستمر في الإنتاج، الأمر الذي دفع بعض الجهات للمطالبة ببيع المصانع وتحويلها للقطاع الخاص.
إن انهيار قطاع السكر يعني ضياع أربع مدن صناعية كاملة، بمصانعها وإنسانها وزراعتها. وعلى الدولة أن تدرك أن الأمن الغذائي خط دفاع أساس في الحرب كما في السلم.
ويبرز السؤال الأكبر:
ما هو الحل؟ وكيف نعيد المصانع إلى سيرتها الأولى؟ وهل تستطيع الدولة ضخ الأموال اللازمة قبل فوات الأوان؟
الحل يبدأ بتشكيل لجنة من خبراء وقيادات هذا القطاع من المهندسين والإداريين القدامى، المشهود لهم بالكفاءة، لتقييم الاحتياجات الفعلية من صيانة المصانع والمزارع والورش والمسبك المركزي وتجهيزات قطع الغيار.
ويجب أن يكون همّ اللجنة الأول هو الحفاظ على الأصول والمصانع والإنسان. أما التمويل فيكون عبر شراكة في الإنتاج فقط، وليس في الأصول، فالأرض والمصنع والعمالة ملك للدولة، ومن يشارك بماله يشارك في الإنتاج لمدة محددة وبشروط واضحة.
العالم اليوم يلتفت إلى السودان، وصناعة السكر من الصناعات المطلوبة عالميًا. ومن الحلول الممكنة استغلال الأرض مرحليًا في زراعة الذرة والأعلاف إذا توفرت رؤوس الأموال والآليات اللازمة، مع الشروع في صيانة المصانع والإعداد لزراعة القصب، وتوفير مرتبات العاملين حتى تستقيم الحياة. وهي أمور لا تستطيع الدولة تنفيذها إلا عبر قروض ميسرة إن توفرت.
إذن، الأمر يحتاج إلى لجنة خبراء متجردة من المصالح، هدفها الحفاظ على هذا القطاع الحيوي.
وإعادة الحياة لمصانع السكر أمر ممكن إن صدقت النيات وبدأنا العمل…
وإلا فقد نكون قد دمرنا صناعة وشتتنا أسرًا بأكملها.
والخير قادم بإذن الله…
فاستووو يرحمكم الله.





