المقالات

فتح الرحمن الجعلي: البندقية والمجد

متابعات -تسامح نيوز

فتح الرحمن الجعلي: البندقية والمجد

فتح الرحمن الجعلي

مما أذكره جيدا ولن أنساه أبدا، أنه طلب منا في امتحان (التعبير) في الشهادة السودانية كتابة موضوع عن (شخصية أعجبت بها) فكتبت عن محمد أحمد المحجوب، وسقت كل ما يدعم فكرتي من أسباب الإعجاب به، وكان على رأس ذلك كونه رجلا متعدد الجوانب؛ فهو محام، ومهندس، وسياسي، وشاعر، وكاتب، وقد كنت معجبا جدا – وما زلت- بشعره لا سيما ما حمله ديوانه الآخر الصغير ( مسبحتي ودني) الذي كان يزين مكتبتي مع كتابه( موت دنيا) الذي شاركه تأليفه الأستاذ عبد الحليم محمد.

فتح الرحمن الجعلي: البندقية والمجد

المحجوب وجيله من السياسيين السودانيين كانوا بمستوى عال من الثقافة، الأمر الذي جعل الحقل السياسي حقل الوعي والإبداع.

لكن ثمة تدهورات كثيرة لحقت بالميدان السياسي انتهت إلى أن يكون السياسي في بلادنا – في الغالب- شخصا برغماتيا ومهرجا، يمتطي صهوة الغاية التي تبرر الوسيلة، ولا يحكم الأخلاق في تناول أموره ، ولا يهتم بتثقيف نفسه ولا تطويرها؛ إذ المطلوب للتأهيل (للمهنة) يكفي منه الحد الأدنى من المعرفة، وربما لا يحتاج إليه ما دام (حميدتي) وصل كرسي الرجل الثاني في البلاد، فهذا زمان المهازل واستنسار البغاث، وسيادة الرويبضات؛ ولذلك أصبح ( الصنف) السياسي السائد هو ما نراه اليوم، صنف يكفيه بؤسا أن يكون أحد قادته عبد الرحيم دقلو !

فتح الرحمن الجعلي: البندقية والمجد
تسامح نيوز-موقع اخباري سوداني

ما فجر عندي هذه الخواطر ما تبع خطاب سيادة الأخ الفريق أول برهان القائل فيه ( المجد للبندقية)، فقد كان مفجرا لتهريج يبين الخواء الثقافي في الحقل السياسي، ويوضح أننا أمام حالة من الانحطاط تصعب معالجتها!

إن من المعروف أن الناس منذ القدم يتغنون بالسيف رمزا للقوة ، وما عيب خطاب الاعتزاز به أبدا، وقد رفع الناس السيف لدرجة تقدمه على الكتب، يقول أبو تمام:

السيف أصدق أنباء من الكتب

في حده الحد بين الجد واللعب

بيض الصفائح لا سود الصحائف

في متونهن جلاء الشك والريب

فما العيب في أن يقول سيادة الرئيس قولا يمجد فيه البندقية سيف هذا الزمان، من باب “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة …”:؟!

السياسيون المستنكرون للخطاب من أنصار الصوت الحيادي المزيف، إنما يخاطبون باستنكارهم هذا المنظمات الدولية المغرضة التي اتخذتها الاستخبارات العالمية (حصان طروادة) لاستعباد وقهر الشعوب، وتعطيل حياتها، ونهب ثروانها!

يخاطبونها تغذية لاتجاه عدم حرص الحكومة السودانية على السلام، وميلها إلى القوة.

وما المشكلة؟

أليست الدول صاحبة (الفيتو) هي الدول الأقوى فيما بعد الحرب العالمية ا الثانية، وكلها الآن تملك القوة الرادعة، فهل حلال عليهم القنابل النووية والأسلحة الكميائية وحرام علينا البندقية؟

أو ربما يخاطبون المجتمعات السياسية ( المستهبلة) في الغرب التي تخادع الناس بالإنسانية لتسلبهم كل حقوق الإنسانية، وتحدثهم عن إثم قتل ذبابة في الخرطوم بينما يقتلون (الحسين) في العراق، وفي غزا، وفي كل مكان!

وهذا خطاب لا يخرج إلا من عميل، أو ساذج، أو جامع بين العمالة والسذاجة؛ فإنه لا يوجد إنسان عاقل يرفض حق الدولة في امتلاك القوة عدا الأسلحة التي حرمها الأقوياء- طغيانا وظلما- وهم يمتلكونها!

ولو قرأ سياسيونا قليلا، أو سمعوا اغنية (صه يا كنار) الأيقونة الفنية السودانية الجميلة -على الأقل – لوجدوا قول شاعرها:

فالبندقية في بداد بيوتها

طلعت بمجد ليس بالمتبدد

وهذا البيت جاء ضمن الدعوة لجمع الصف وضرب المتخاذلين عن ذلك، إذ يقول:

وامـلأْ فـؤادَكَ بالـرجاء فإنها

بلقيسُ جاء بها ذهـابُ الهدهـد

فإذا تبدّد شـملُ قومكَ فاجْمَعنْ

فإذا أبَوْا فاضربْ بعزمـة مُفـرَد

فالبندقيـةُ في بـدادِ بيوتـهـا

طلعـتْ بمجـدٍ ليس بالمتبـدّد

إننا – عزيزي القارئ- في حاجة لثورة ثقافية عارمة تزيح ( الزبد) الضحل ثقافيا المسيطر على ساحتنا؛ ليذهب جفاء، ويأتي ما ينفع الناس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى