
متابعات | تسامح نيوز
كتب – د. طاهر موسى الحسن
في تطور لم تشهد له الولايات المتحدة مثيلاً منذ عقود، انفجرت فضيحة سياسية واستخباراتية هزت أركان البيت الأبيض والبنتاغون معًا، وأشعلت الشارع الأمريكي احتجاجات شعبية غير مسبوقة، وصل عدد المشاركين فيها إلى نحو تسعة ملايين مواطن في جميع أنحاء أمريكا، تحت شعارات تطالب برحيل الرئيس دونالد ترامب ووقف الحرب على إيران. هذه الفضيحة التي حولت المشهد السياسي الداخلي في أمريكا رأسًا على عقب، لم تأت من خصوم ترامب التقليديين، ولا من وسائل الإعلام المعارضة له، بل جاءت من رجل كان حتى وقت قريب في صميم المؤسسة الاستخباراتية الأمريكية. إنه جو كينت، المدير السابق للمركز الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب، وهو منصب يعد من أهم أربعة مناصب في الاستخبارات الأمريكية، والمتخصص الأول في الجماعات الإرهابية عالميًا. هذا الرجل، الذي استقال من منصبه احتجاجًا على سياسات ترامب والدخول في الحرب مع إيران، خرج بتصريحات مدوية كشفت فيها النقاب عن أخطر الأسرار التي ظلت لعقود مخبأة في أدراج وكالة الاستخبارات المركزية.
وقال كينت، بكل وضوح وصراحة، إن الولايات المتحدة هي التي أنشأت تنظيم داعش الإرهابي، صنعته بأيديها لتوظيفه في تحقيق أهدافها في الشرق الأوسط. وأضاف أن التنظيم صنع ليكون أداة لتوجيه الضربة إلى إيران، وأن أمريكا كانت السبب في كل الخلافات الطائفية والمذهبية التي مزقت المنطقة لعقود. وتجاوز كينت كل الخطوط الحمراء عندما أقر بأن بلاده دخلت الحرب على إيران وهي تعلم تمامًا أن طهران سترد بقوة، وقال صراحة: كل هذا من أجل إسرائيل، جنودنا قُتلوا واقتصادنا ينهار فقط من أجل إسرائيل.
هذه التصريحات التي خرجت من رجل بحجم جو كينت، المتخصص الأول في ملف الجماعات الإرهابية عالميًا، ليست مجرد اتهامات عابرة، بل هي شهادة خبير من داخل غرف صنع القرار الأمريكي، تكشف عن الوجه الحقيقي للحرب الأمريكية على الإرهاب التي ظلت لعقدين تبرر بها واشنطن تدخلاتها العسكرية في المنطقة. فالرجل الذي كان مسؤولًا عن متابعة ومراقبة التنظيمات المتطرفة، يعترف الآن بأن تنظيم داعش الذي قتل وأباد واغتصب ودمر مدنًا بأكملها في العراق وسوريا، هو صناعة أمريكية بامتياز.
هذا الاعتراف يجيب عن السؤال الذي ظل يطرحه الملايين في العالمين العربي والإسلامي: كيف نشأ هذا التنظيم بهذه القوة والسرعة؟ وكيف كانت أمريكا وحلفاؤها يعرفون تحركاته لكنهم لم يوقفوه؟ وكيف كان يتحرك بحرية في مناطق كانت تحت سيطرة التحالف الدولي؟
لقد فهم الشعب الأمريكي، أخيرًا، حقيقة ما كان يحدث. فهم أن التنظيم الذي قيل له إنه العدو الأول للولايات المتحدة، كان في الحقيقة أداة في يد إداراته المتعاقبة. فهم أن الحروب التي خاضها أبناؤهم في العراق وأفغانستان وسوريا وليبيا، كانت من أجل أهداف لا علاقة لها بالأمن القومي الأمريكي، بل من أجل مشروع إقليمي يخدم مصالح إسرائيل وحدها. ولهذا السبب، خرج تسعة ملايين أمريكي إلى الشوارع في مظاهرات هي الأكبر منذ حرب فيتنام، مرددين شعارات تندد بسياسات ترامب، ومطالبين بإنهاء الحرب على إيران فورًا. وقد وصل الغضب الشعبي إلى درجة أن بعض المحتجين بدأوا في لصق ملصقات على محطات الوقود كتبوا عليها أن اليهود هم السبب في كل ما يحدث، وكتبوا عبارات تصف بنيامين نتنياهو بأنه مجرم حرب، إلى درجة أن السلطات الأمريكية نقلت سارة نتنياهو، زوجة رئيس وزراء الكيان، إلى مكان سري خوفًا على حياتها مع تزايد عنف الاحتجاجات.
ولم تقتصر الاحتجاجات على التظاهرات السلمية، بل امتدت إلى أعمال عنف وتخريب، حيث جرت محاولات لاقتحام مبنى وزارة الأمن الداخلي في وسط مدينة لوس أنجلوس، وشهدت الشوارع مواجهات عنيفة مع قوات الأمن، وبدأت حملات اعتقال واسعة تطال آلاف المتظاهرين. لكن ذلك لم يوقف الزخم الشعبي المطالب برحيل ترامب فورًا، حتى لو تراجع عن الحرب. إنها لحظة مفصلية في التاريخ السياسي الأمريكي، حيث أصبح الشعب الذي كان يؤمن طويلًا بأسطورة نشر الديمقراطية و محاربة الإرهاب، يكتشف أن إدارته كانت تكذب عليه طوال الوقت، وأن أبناءه كانوا يموتون في حروب صُنعت في غرف الاستخبارات لخدمة مشاريع خارجية.
هذه الفضيحة تجيب أيضًا عن سؤال ظل يحيّر الكثيرين طوال سنوات الحرب على داعش: لماذا لم يهاجم التنظيم إسرائيل أبدًا، رغم أن الحدود بينهما مفتوحة، ورغم أنه كان يسيطر على مساحات شاسعة من العراق وسوريا على مقربة من الكيان؟ الجواب الآن أصبح واضحًا كالشمس: داعش لم يكن ليضرب من صنعه، ولم يكن ليحارب من كان يرسل له السلاح والتمويل والمشورة. داعش كانت معمولة لتحارب المسلمين، وليس اليهود. أهل مصر وليبيا والعراق وسوريا يعرفون ذلك جيدًا، فقد كان التنظيم يشن أعنف هجماته على الجيش المصري في سيناء، بينما كان اليهود على الضفة الأخرى من الحدود لم يمسهم سوء. وكان يذبح المسلمين السنة والشيعة في العراق وسوريا، بينما كانت طائرات التحالف الأمريكي تغطي تحركاته وتسمح له بالانتشار.
إن الذي يحدث اليوم في شوارع أمريكا هو أكبر إدانة شعبية للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط منذ عقود. إنها لحظة تتحطم فيها الأوهام التي ظل الإعلام الأمريكي يبثها لسنوات عن محاربة الإرهاب و”حماية الديمقراطية”. والشعب الأمريكي الذي اكتشف أن بلاده هي من صنعت الوحوش التي قتلت أبناءه في حروب لا نهاية لها، أصبح اليوم يطالب بمحاسبة المسؤولين عن هذه الجريمة الكبرى بحق شعوب المنطقة وحق الشعب الأمريكي نفسه.
وفي هذه اللحظة التاريخية، التي ينكشف زيف الإمبراطورية أمام أعين شعبها، لابد من توجيه الشكر والعرفان لكل جندي وضابط وقائد في حوش الحرس الثوري الإيراني، وأسود حزب الله، وسِباع المقاومة العراقية، وأشاوس أنصار الله في اليمن، الذين صمدوا وقدموا التضحيات حتى جاءت لحظة الانكشاف التي كنا نرجوها. إنها لحظة يقين بأن النصر قادم، وأن الظلم مهما استطال فله نهاية، وأن أبواب الجحيم التي فتحتها أمريكا على شعوب المنطقة ستنقلب عليها وعلى حلفائها عاجلًا أم آجلًا.
والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.





