
متابعات | تسامح نيوز
كتب – عزمي عبد الرازق
تتعمد واشنطن انتقاء كيانات وشخصيات ثانوية وغير مؤثرة تابعة لمليشيا الدعم السريع، تشهر نحوها عقوباتها الباردة، وبالمقابل توجه ضرباتها العقابية الممنهجة نحو الرموز والمؤسسات الوطنية السودانية التي تصدت لمؤامرة تقسيم البلاد، وبالتالي فإن سلوك “العم سام” لا يعدو كونه محاولة مكشوفة لمواراة الانحياز الفاضح للمليشيا الإرهابية، والدول الراعية لها، وعلى رأسها حليفتهم الإمارات، وبالتالي فإن الهدف الحقيقي، منذ رصاصة دقلو الأولى، كان فرض حصار خانق على أعمدة الدولة السودانية، وفي مقدمتها منظومة الصناعات الدفاعية، تمهيداً لتفكيك القوات المسلحة، وتمرير الأجندات الاستعمارية.
ولذلك، تطل علينا هذه “العدالة العرجاء” في التوزيع الجائر للقوبات بين الدولة ومؤسساتها الوطنية من جانب، والمليشيا الإرهابية من جانب آخر، لتعيد إلى الأذهان المقولة الخالدة للشهيد عمر المختار: «إن سيف عدالتكم لم يكن يوماً مسلطاً إلا على رقابنا، ولم تكن قوانينكم إلا وسيلة لشرعنة ظلمكم».”
من الواضح أن عقوبات الخزانة الأمريكية الأخيرة على منظومة الصناعات الدفاعية السودانية جزء من استراتيجية أوسع تستهدف تفكيك مؤسسات الدولة السودانية، وضرب قدرتها على الصمود في وجه الحرب، وهى منظومة تقوم بدورها فقط في تجهيز الجيش لمواجهة هذا العدوان الخارجي، فهل تريدها أمريكا، واللوبي الإماراتي، أن تظل مكتوفة الأيدي، تتفرج على هذه الدمار، وتتخلى عن واجباتها؟!
الخطاب الأمريكي التبريري يركز على شعارات مثل “حماية المدنيين” و”منع إطالة أمد الحرب”، وهو يعرف تماماً من الذي يستهدف المدنيين؟ ومن الذي يرسل شحنات الأسلحة عبر مطارات تشاد وليبيا وإثيوبيا وموانئ الصومال، إلى دارفور؟ ومن الذي دمر المستشفيات ومحطات المياه وأحرق معسكرات النازحين.. لكن الواقع يكشف أن هذه العقوبات تضرب في صميم المؤسسات الوطنية التي تمثل العمود الفقري للدولة. فبدلًا من الضغط على المليشيا المدعومة خارجياً، وأياديها ملطخة بدماء السودانيين في دارفور وكردفان والجزيرة، يتم استهداف المنظومة الدفاعية، التي تؤمن احتياجات الجيش من السلاح والذخيرة، مثل البنتاغون بالضبط.
المفارقة أن واشنطن تغض الطرف عن الدعم العسكري والمالي الذي يتدفق إلى المليشيا عبر أبوظبي، وتتجاهل الانتهاكات الموثقة بحق المدنيين من قتل ونهب واغتصاب وتهجير، بينما تختار أن تفرض عقوبات على شخصيات ومؤسسة وطنية تعمل في إطار الدفاع المشروع عن الدولة. هذه الازدواجية تكشف أن الهدف الحقيقي ليس حماية المدنيين، وإنما إعادة تشكيل ميزان القوى لصالح المليشيا.
منذ تمرد حميدتي، كان واضحاً أن المليشيا تسعى للسيطرة على مصانع اليرموك ومدينة الجيلي، في محاولة لقطع خطوط الإمداد وخنق الجيش، قبل أن تستعيدها قواتنا الباسلة، واليوم تأتي العقوبات الأمريكية لتكمل هذا السيناريو، حصار داخلي عبر الهجمات والمسيّرات، الفاشر والأبيض، وحصار خارجي عبر العقوبات، بالتزامن، ما يعني أن من يتحكم في خيوط كل هذه اللعبة شخص واحد، يظهر منه منه اليوم رأس جبل الجليد، ” أمريكان في كل مكان.. ديل مالينا الدنيا مِلِيديل قايلين الخلق قَلي” كما غنى شاعرنا حميد، وإذا كان ترامب بالفعل يريد إيقاف الحرب في السودان، عليه أن يكف يده ومساعده بولص ولوبي أبوظبي عنا، ويعاقب نفسه الأمارة بالسوء.
ربما ساءهم الحضور الدولي للمنظومة الدفاعية، والتي شاركت مؤخراً في معرض “ساها 2026” بإسطنبول، بجناح متكامل ضم أكثر من 90 منتجاً وخدمة، إذ أن ذلك الحضور العالمي يعكس تطور القدرات الوطنية، ويؤكد أن السودان ليس دولة معزولة، ولا تحتاج إلى إيران التي أصبحت حالياً صديقة لرجال البيت الأبيض الأغبياء، وهو ما يفسر سبب استهداف منظومتنا الدفاعية، لأن وجودها الفاعل يربك حسابات القوى الكبرى.
المنظومة ملك للسودانيين، قاموا بتشيدها طوبة طوبة، من حر مالهم، بليل الأسى ومُر الذكريات، منذ الجيل المؤسس، الشهيد جمال زمقان والمهندس عماد الدين حسين، وغيرهم من رجال الإنقاذ، فبين 1997 والعقوبات، و2023 اندلاع الحرب، استطاعت منظومة الصناعات الدفاعية أن تفعل ما فشلت فيه دول كثيرة في المنطقة، توطين الذخيرة والسلاح، صيانة وترقية الطيران (صافات1 – صافات 03 نموذجاً) ( مسيّرة سفروق) وضمان سلاسل إمداد مستقلة، والتحول من الدفاع إلى الاكتفاء ثم الإسناد. عطفا على ذلك فإن المنظومة لم تقتصر على إنتاج السلاح، وإنما تمددت إلى أدوار مجتمعية مقدرة، دعم أسر الشهداء، تنظيم العودة الطوعية لعشرات الآلاف من السودانيين، الحد مِن أثار الحرب، المساهمة في مشاريع الطاقة والبنية التحتية، وغيرها مما هو مشهود. هذا التمدد يعكس تعريفاً موسعاً للأمن القومي، يشمل حماية المجتمع من التفكك وفقدان الثقة في الدولة، وهو ما يجعل استهدافها عقوبة على المجتمع بأسره لا على مؤسسة بعينها، وقد تأكد لنا، لهم، أن منظومة الصناعات الدفاعية السودانية ليست محض مصانع، وإنما عقل مؤسسي وشبكات إنتاج وطنية مرنة قادرة على الصمود تحت النار والحصار والعقوبات، والأفضل لهم، إذا كانوا بالفعل يريدون وقف الحرب، التوجه نحو الفاعل الحقيقي، الذين ينام داخل مخدعهم.





