
متابعات | تسامح نيوز
في العام ٢٠٠٢م، بلّغَ إلىّ وأنا قائد اللواء ٣٤ مشاة بأروما ، مجموعة من الضباط، كان من ضمنهم النقيب طبيب طارق الهادي كجاب. وكانت أروما يومها موبوءة بالعواصف الترابية التي تسد الأفق، وتسدل على المدينة لحافًا من الرمل الأصفر، وهي غارقة في الظلام، وعليها لباس الخوف من عمليات قوات المعارضة المتمركزة في إرتريا، حيث تقوم بعمليات الإغارة وقطع الطريق القومي، ونهب العابرين، وتفجير أنبوب النفط الممتد عبر تلك المناطق. فكان النقيب طارق، وبقية ضباط اللواء ٣٤ مشاة، ترياقًا لسموم عصابات التحالف في تلك المواجهة.
ذكرت ذلك لأؤكد معرفتي بالرجل (المبارك) —ولا نزكيه على الله— فقد كان الضابط والطبيب، وإمام المسجد، والفقيه، وفاكهة المجالس.
ثم عرفه السودانيون، وعرفته الدنيا عبر المنابر الافتراضية المفتوحة، وهو يجاهد بالكلمة والبندقية ومشرط الطبيب، مرابطًا في قلعة الصمود في السلاح الطبي، ولمدة عامين كاملين، في أسوأ ظروف الحرب والحصار.
إلا أنه من مقامه هذا استطاع أن يبلغ رسالة القوات المسلحة بأفضل ما يكون البلاغ، فاستطاع أن يطمئن القلوب، ويزكي النفوس، ويحرض المؤمنين على القتال، ويدحض افتراءات الجنجويد وادعاءات القحاطة، حتى أصبح الرجل مؤسسةً بحالها تُعنى بقضية التوجيه المعنوي لأهل السودان عامة. فوثق فيه الناس، وأقبلوا على الإنصات له، وتناقلوا أقواله بتقدير واعتبار.
أما وقد جاءت لحظة أن يترجل العميد طبيب طارق الهادي، وتتم إحالته للمعاش، فهي سنن ماضية، ليس فقط في الوظيفة، ولكن في سفر الحياة نفسها. غير أن تساؤلات مشروعة قد ضاقت بها صدور المتابعين له: فهل للقرار ذيول وظلال مما يتداوله خصوم القوات المسلحة بأنها واقعة تحت تأثير الإسلاميين؟
ولذلك يندرج قرار الإحالة تحت بند أن القيادة هي صاحبة الطول، بدليل إبعادها للعميد الأشهر الدكتور طارق الهادي، الذي تمثل لسان حال الجيش والشعب، وعبر عن الضمير الجمعي لكافة الناس (عدا القحاطة بالطبع)، وسبق القيادة بخطوات في تنوير الشعب وتبصيره بمجمل القضايا والأحداث، وهيأه للاصطفاف مع الجيش وفق منطق الحق والقوة والحسم. ولذلك لم يترك مساحات وفراغات في وعي الشعب لتناور عليها أية جهة تريد أن تلتف أو تتجاوز الخيار الشعبي الواحد، الأمر الذي يبدو محرجًا أحيانًا لمن يريد تجيير الشعب لاختيارات بديلة.
إن إحالة طبيب طارق الهادي للمعاش لن تنقض غزل الجيش القوي، ولقد سبقه رجال أفذاذ وقادة عظماء، ظن الناس آنذاك أن المؤسسة العسكرية تأكل خيرة أبنائها، ولكن تبين بعدها أن حبل الجيش واصل، وعروته لن تنفصم بحول الله، وتعاقب الدفع والأجيال يزيد الجيش حصانةً ومنعة.
صحيح، في ظاهر الأمر تبدو خسارة الجيش في افتقاده رجلًا متعدد المواهب، مؤمنًا صلبًا، صادقًا، صاحب قبول عند الناس؛ لصوته دويّ كدوي صوت العباس في وادي حنين، وقتما فُتن الناس وتولوا مدبرين، تاركين رسول الله صلى الله عليه وسلم وراء ظهورهم. ولكن صوت العباس ردهم، وهدأ مخافتهم، فعادوا يحنّون لصاحب الدعوة والثبات كما تحن الإبل إلى فصائلها، فكان نصر حنين والمغنم العظيم.
وكذلك كان صوت طارق؛ بعث دفء الحياة في القلوب، وذكّر الناس بالمآثر ووعد الحق، وحذرهم مآلات التقاعس، فكان صاحب فضل—بعد الله تعالى—مع إخوة آخرين، في تثبيت الناس وحثهم على الانضمام للجيش، والذود عن وطنهم الذي كان أدنى من قاب قوسين من الضياع.
الآن ذهب الخوف، وبدأت ألسنة السوء الحداد تسلق الجيش، وتعيبه بالاستعانة بالإسلاميين، وتسعى لدق عطر منشم بينه وبين شعبه، وتهيئه للهزيمة من الداخل، وتفل في عضده ببذر الشك وترويج الوشايات.
فمنتهى الأمر ليس في إحالة العميد الأشهر الدكتور طارق الهادي، ولكن توقيتات الاستجابة هي مناط الخشية من أثر أنفاس الوشاة في آذان القيادة.
على المستوى الشخصي للدكتور طارق الهادي، فهو الرابح في هذه المعادلة بالحساب البسيط. وللذين لا يعلمون عن تأهيل الدكتور طارق الهادي—وذلك لتواضعه وعدم سرده لسيرته الذاتية—فلعله الطبيب السوداني الأكثر تأهيلاً؛ إذ يحمل زمالة الباطنية، وزمالة أمراض الصدر، وزمالة العناية المكثفة، وكلها بدرجات الامتياز من بريطانيا. وهو أستاذ جامعي، ومرجع في تلك التخصصات. ولذلك، إذا تقدم بهذه المؤهلات إلى أي جهة، فهو في مقام الرحب والسعة، حيث يمكنه خدمة وطنه من أي موقع في أرض الله الواسعة هذه، التي ضاقت فيها كثير من صدور الرجال، فعمدوا إلى إحالة أمن وسلام الناس إلى ما هم عليه من بؤس ومعاناة.
فيا أيها العميد المجاهد، الطبيب، الخطيب، الأديب، الأريب، اللبيب، تقبل الله منكم صالح الأعمال؛ فقد شهد لك الشعب السوداني الكريم الأصيل بأنك واسيتَه في محنته، وضمدت جراحه في حصاره، وقاتلت عدوه في بغيه وإجرامه، وبصرته في دينه وقضاياه المعاصرة الملحة، وقطعت من جلدك لترقع فتوق ستره، وآثرت القليل احتسابًا مع وفرة الكثير لأمثالك من نوابغ أبناء هذا الوطن الجميل.
وسيبقى الجيش السوداني خصيب المنابت، بلدًا طيبًا يخرج نباته بإذن ربه.
امضِ ولسان حال شعبك يقول: د. طارق، جزاكم الله خيرًا.





