
متابعات | تسامح نيوز
مشهد جثمان المرشد الأعلى للثورة الإيرانية وهو تحت الأنقاض، بالكاد يطل وجهه معفّرًا بالتراب، مقطّب القسمات، تقرأ فيه آمال أمة، وعزة شعب، وإرادة من حديد، وأطيافًا من التضحيات في دروب المواجهة الحتمية مع الصهاينة وأدواتهم في الولايات المتحدة الأمريكية.
يبرز السؤال الأكثر أهمية:
ما أسباب الاختراق الاستخباري العميق للمؤسسات العسكرية والأمنية الإيرانية؟
والذي دفعت ثمنه إيران غاليًا جدًا عبر عمليات استنزاف القيادة باغتيال رجال الصف الأول في أكثر من مواجهة عسكرية مع إسرائيل وأمريكا، وحتى في فترات الحرب الباردة بينهما تمت سلسلة عمليات اغتيال لشخصيات مهمة في مجالات حيوية، منهم علماء نوويون، وأساتذة جامعات، وقادة سياسيون وعسكريون، في ظروف تكشف عن تفريط كبير وإهمال شديد، لدرجة الشك في حقيقة الاختراق وتعمد تسهيل مهمة الاستهداف.
صحيح أنه لا يخلو مجتمع من الخيانة لضعف يعتري بعض كوادره، فيصبحون ثغرات تنفذ منها سهام العدو، وإيران لاحقت أمثال هؤلاء، إلى درجة كشف نائب وزير الدفاع (علي رضا أكبري) الذي كان يعمل لصالح جهاز MI6 البريطاني، بمقابل تافه قدره خمسمائة ألف جنيه إسترليني، وتم إعدامه عام ٢٠٢٣م.
أما الأحداث القريبة، فهي موت الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي في حادث تحطم المروحية الشهير عام ٢٠٢٤م، واغتيال المجاهد إسماعيل هنية في بيت الضيافة في طهران في يوليو ٢٠٢٤م، واغتيال نخبة القادة في ضربة جوية في المواجهة السابقة في يونيو عام ٢٠٢٥م، حيث قُتل نخبة القادة: حسين سلامي قائد الحرس الثوري، محمد باقري، غلام علي رشيد، أمير علي حاجي، محمد كاظمي، مهدي رباني، غلام محرابي، محمد تقي يوسف، وكلهم قادة أجهزة عسكرية وأمنية كبار.
بالتأكيد، هذا الفقد له تأثير مباشر على سير العمليات والروح المعنوية للجيش والشعب، ويكسب العدو ميزة إضافية.
فأين هي الإجراءات الاحترازية لضمان أمن القادة وتأمين القيادة؟
وحرمان العدو من تحديد الأماكن والتحركات، فضلًا عن أن يعرف أماكن الاجتماعات، ووضع كافة الاحتياطات من الاختراق السيبراني والتجسس عبر الأجهزة المحمولة وغيرها من الحيل الإلكترونية؟
مؤسف أن يتكرر الخلل أكثر من مرة، وتفقد إيران خيرة قياداتها بسبب كسر العدو لطوق التأمين عن طريق زراعة العملاء داخل هذا الطوق، وهو الأخطر. ولنا في السودان شاهد، وهو الجاسوس الفريق أمن طه الحسين، مدير مكتب الرئيس البشير، الذي مارس البث المباشر لكل شؤون السودان العامة والخاصة بمقابل مالي، مهما غلا فهو زهيد قياسًا بالشرف والالتزام الوطني، وكان أحد أسباب ما حل بالسودان من كوارث. ولذلك لن يسلم الجيب الإيراني من يد سارق.
فمن الذي سرّب صورة المرشد الأعلى؟ ولمّا يُنتشل بعد من تحت الأنقاض لتُعرض كبشرى بين يدي المجرم نتنياهو، ليتبجح بعدها بأننا قضينا على المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، ويراسل الرئيس الأمريكي المعتوه ترامب ليتبادلا نخب نصر ستكون عاقبته خُسرى بحول الله.
لا يشك أحد في حرص الأجهزة الأمنية والعسكرية الإيرانية على سلامة قياداتها، ولكن واضح أنهم يعملون في بيئة ملوثة تمامًا، ربما تحتاج إلى إعادة فحص مرةً بعد مرة.
إن قلوب المسلمين اليوم، أو قل الغالبية الغالبة منهم، تصطف مع إيران، تفرح لنصرها وتحزن لخسارتها، قياسًا بفرح المؤمنين بنصر أهل الكتاب على المجوس، برغم الفوارق البائنة بين معتقد النصارى والمسلمين، ولكن لمجرد أنهم أهل كتاب، فما بالك بالشيعة وما يجمعهم مع عامة المسلمين من توحيد الله تعالى، والقبلة، وتعظيم رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.
هذا مما يلي العقيدة، أما ما يلي المصالح الاستراتيجية، فإن إيران وازنة الأمن الإقليمي، وشاغلة بال إسرائيل، ومعطلة استكمال مشروع الهيمنة والتمدد من النيل إلى الفرات، لأنها الكتلة الصلبة المتماسكة أكثر من الكتلة السنية، وأقدر على المواجهة، وألزم للصبر، وأقدر على الصمود من خلال طول عهود المواجهات. ولو أصابها التفكك بسبب هذه الحرب الصهيونية، فإن الطريق سيكون سهلًا لاستكمال المشروع الصهيوني في الشرق الأوسط، وحينها سيتمنى الناس إيران (الشيعية)، بعدما تصبح ساسانية تبعًا لإسرائيل وأمريكا، مثلما يبشر ابن الشاه محمد رضا بهلوي، الذي يتم ملؤه وتجهيزه الآن في أمريكا.
الأمل معقود، ثقةً في نصر الله للحق المسلم في وجه البغي الصهيوني، ولن تحصد إسرائيل من هذا العدوان إلا مزيدًا من الاضطراب والخسارات المركبة، لأن جيلًا جديدًا يتشكل الآن في هذه المنطقة، تعرّف عن قرب بماهية المشروع الصهيوني وسلوك إسرائيل، وبالتالي يمتلك حوافز المواجهة التي ستضع حدًا لإسرائيل وتطمرها في مزبلة التاريخ، تحقيقًا لوعد الله، ولا يخلف الله الميعاد. وقد أمضى ذلك الشيخ الشهيد أحمد ياسين بأن استشرافه بالقرآن الكريم أن موعد إسرائيل هو صبح العام ٢٠٢٧م.
أليس الصبح بقريب؟
نعم، قريب، وأقرب مما يظن الناس. سيتبدد المشروع الإسرائيلي، ويتبخر الحلم الوردي لإخوان القردة والخنازير.
سلم الله بلاد سلمان الفارسي وأهلها.





