غير مصنف

لينا السماني: مشهد الأرصفة الرمادية.

متابعات | تسامح نيوز

متابعات | تسامح نيوز

كانت الأرصفة الرمادية مطليةً بالوحشة، ينزل عليها الغيابُ قطراتٍ ثقيلةُ وباردة، وكان للخطواتِ صدى يشبه وقع القلب، يرتد دون أن يجيبه أحد، خطوات وحيدة.. في الليل الهائم، يشد صاحبُها انتباهته فراغًا، يحصي البلاطَ الغابر، لا يدري إن كان على الطريق أم أنه قد فقدها، لا يملك وقتًا ولا قدرةً للتفكير في أمرٍ جدّي كهذا، إنه يمشي فحسب، يحب المشي بلا وجهة، قد يحرك انتباهه المقهى الذي يظهر في وجهه، لكنه يذكر غياب الرفاق فينسى، يمشي حتى ينام، يقوده عقله المتبلدُ للبيت، كأقصى مجهودٍ يبذله، يحمل عنه حذائه، يخبط البابَ بثقله، يسحب الغطاء، يتذكر الأنوار.. فيقاوم بإعجاز نعاسه ليطفئها، حين يصل، ينتبه أن التيار مقطوع في الأصل، يوقع كأس الماء الفاتر، يشعر بالارتواء ظنًا منه أنه قد شرب، يشك في الباب.. مفتوحٌ بعد أم أنه قد أغلقه، ينام.. يراه في وضوح قد تمالك موته ومشى، يوصده بالمفتاح، ثلاث مرات.

يحلّ الصبُح، يوقظهُ الحرّ لا النور، ويسأم من جسد يصحو كل يوم، يلبي ببلاهة نداء الحياة التي لم تمنحه شيئا بعد، فيجر من جديد خطاه الثقيلةَ نحو أي جزء في البيت تقوده إليه، المطبخ أو الحمام أو سور الشرفة، أو بيت جاره، ولو أنه لم يدر بعد إن كان له جيران، لكنه يسمع أصواتا بعض الأوقات لم يميّز بعد ماهيتها، إن كانت في رأسه أو في الممرات أو تصدر من التلفاز، أو الراديو.. لا يدري أيهما يملك، يتذكر كل صباح ما يفعله البشر عادةً فيفشل، فيروح خبطًا، يعصر المعجون على الطبق، ويفكر مهلًا، هل يمسكون الفرشاة باليمنى أم اليسرى؟ كيف يعرف المرء إن كان أعسرَ أم.. لا يهم، لكنه مهما تاه، يعود دائما في أوقات متفرقة إلى الأريكة تتوسط المنزل، عتيقة مثل عقله، رائحة ورق وحبق عالقةٌ بها، وتتراءى له في أحد أخاديدها عدسة لنظارة، يخاف أن يقربها.. لكنه يحبّ أن يرى لمعانها حين ينعكس عليها نور الشمس الذي ينفذ عبر ثقب الجدار، يفكر دائما أن يغطيه.. لكنه ينسى أين كان، ويتساءل بعدها، عن سر بقع الاسمنت.. التي تملأ جدران المنزل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى