
الخرطوم – تسامح نيوز
تستضيف العاصمة الألمانية برلين يومي الرابع عشر والخامس عشر من أبريل الجاري مؤتمراً حول السودان، بمناسبة دخول الحرب فيه عامها الرابع، وهي النسخة الأوروبية الثالثة في سلسلة المؤتمرات السنوية التي تبحث في شأن الحرب في السودان، ويأتي بعد مؤتمري باريس أبريل 2024 ولندن أبريل 2025
بخلاف النسختين السابقتين، أُضيف لمؤتمر برلين محور ثالث هو “المحور المدني”، وبقي المحوران الإنساني والسياسي المرتبط به، كما هما، حيث يأمل المنظمون في أن تتضافر عدة عوامل لتجعل من نتائج نسخة برلين ملموسة، وأن تصدر عنه توصيات تمهد لخطوات عملية تفضي إلى “هدنة إنسانية” إن لم يكن وقفاً للحرب.
ويلاحظ كذلك أن كلاً من واشنطن وباريس ولندن إنضمت إلى برلين في عملية تنظيم المؤتمر، وأشركت معها ما عُرف بالمجموعة الخماسية التي تضم الأمم المتحدة والإتحاد الأفريقي والإتحاد الأوروبي ومنظمة إيغاد وجامعة الدول العربية، بحيث تركز هذه المجموعة على “المسار المدني” والمتمثل في جمع فرقاء الحرية والتغيير تحت سقف واحد لبحث مستقبل العملية السياسية والتحول المدني.
وقال دبلوماسيون شاركوا من قبل في مؤتمرات مماثلة،بحسب ”المحقق”، إن أول ما يلفت النظر في نسخة برلين هو أنها اعتمدت نفس الأساس الخاطئ الذي اعتمدته كل من باريس ولندن، فلم تشرك حكومة السودان في ترتيبات المؤتمر ولا حتى وجهت لها الدعوة لتكون حاضرة بصفة مراقب، ورجحوا أن الجهات المنظمة تنطلق في ذلك من رؤية خاطئة تلغي فيها وجود حكومة في السودان، وتساوي فيها بين القوات المسلحة السودانية، المسؤولة دستورياً عن الحفاظ على كيان الدولة وأمن مواطنيها، وبين قوات الدعم السريع التي تمردت وشنت الحرب وارتكبت كل أنواع الجرائم الموصوفة في القانون الدولي والقانون الإنساني بشهادة خبراء الأمم المتحدة .
أما التأسيس الخاطئ الثاني في نسخة برلين، فهو حصر “الحوار المدني” في الحرية والتغيير بكتلتيها (المجلس المركزي و الكتلة الديموقراطية) وتجاهل كل القوى السياسية الأخرى، ومعروف أن ما كان يُعرف بمجموعة المجلس المركزي “قحت” سلخت جلدها بعد الحرب وتحولت إلى “تقدم” ثم انقسمت إلى “صمود” و “تأسيس” التي اندمجت مع كل من الدعم السريع والحركة الشعبية – شمال بقيادة المتمرد عبد العزيز الحلو.
وعلى الرغم من كون “تأسيس” تؤمن عملياً بالخيار العسكري، كونها تحالف بين جماعات متمردة تحمل السلاح، وأنها أقامت كياناً شبه منفصل داخل الدولة السودانية، إلاّ أن “المنظمين” يصرون على دعوتها وإشراكها كطرف مدني، مما يطرح تساؤلاً ملحاً، هو مَــن يضع الأجندة لمؤتمر برلين ؟
في الجزء الرئيسي من المؤتمر (يوم 15 أبريل) وفق المصادر الدبلوماسية بحسب ”المحقق” ستكون المشاركة على مستوى وزراء الخارجية من البلدان المنظمة (ألمانيا، فرنسا، بريطانيا) زائداً وزراء خارجية المجموعة الرباعية ممثلين في الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر والإمارات، وقد تمت إضافة كلاً من تركيا وقطر، وعلى الأرجح سيشارك رؤساء منظمات المجموعة الخماسية أو ممثلون عنها.
وستكون القضية الرئيسية التي سيجري بحثها هي المسار الذي اقترحته “الرباعية” منذ سبتمبر من العام الماضي، والذي يتضمن إقرار “هدنة إنسانية” يوافق عليها “طرفا النزاع” لتمرير العون للمدنيين المتأثرين بالحرب، والذين قدرت الأمم المتحدة أعدادهم بـ14 مليون.
في نسختي باريس ولندن، حاولت الإمارات وبتواطوء أمريكي، حشر أجندتها المباشرة المتحاملة على القوات المسلحة السودانية، واعتبارها طرفاً مساوياً للمليشيا المتمردة ودمغها بمولاة فصيل سياسي سوداني بعينه، وتحميلها مسؤولية “عرقلة” وصول العون الإنساني من خلال “البيروقراطية”، ورفضت في نفس الوقت “الحفاظ على الدولة السودانية ومؤسساتها الوطنية” وهو ما رغبت في تثبيته كل من مصر والسعودية، ولذلك لم يخرج مؤتمر لندن ببيان متوافق عليه.
هذه المرة، سيتم بحث الجوانب الخاصة بالمسار الإنساني، على ضوء التقارير المكثفة التي تحدثت عن الجوع وعن النزوح وعن الانتهاكات، لتمرير طلب الوصول غير المقيد إلى المحتاجين، أي أن تتخلى الدولة عن سيادتها وتترك المنظمات تسرح وتمرح بلا رقيب في كل السودان!
ولمزيد من استدرار التعاطف فقد تمت دعوة كل من تشاد وجنوب السودان وإثيوبيا ويوغندا باعتبارها دول تستضيف لاجئين سودانيين، لتنضم إلى نفس المجموعة الرئيسية، ومن المؤمل أن تكون التعهدات هذه المرة أفضل من المرات السابقة، على الرغم من أنه لم يتم الوفاء إلاّ بنحو 30% مما سبق وأن تعهد به المانحون.
مصادر متطابقة أكدت بحسب ”المحقق” أن الجانب الأكبر من العبء المالي لمؤتمر برلين قد تكفلت به دولة الإمارات العربية المتحدة، وهي تأمل من خلال ذلك أن تجني حصاد غرسها السياسي خلال الأعوام الثلاثة الماضية، والتي حاولت فيها أن تبقي السلطة السودانية معزولة وسط محيطها الإقليمي والدولي، وأن تحاصر الجيش السوداني فتمنع عنه التسليح وتصوره “مليشيا” يتحكم الإسلاميون في قرارها العسكري، وأن تعزل الإسلاميين أنفسهم وتصنفهم جماعة إرهابية، فتخلو الساحة العسكرية للمليشيا والسياسية لأنصارها بمن في ذلك جماعتي صمود وتأسيس.
ولكي يتحقق إنفراد مجموعتي صمود وتأسيس بالشق المدني من مؤتمر برلين، حاولت الإمارات باعتبارها شريكاً وممولاً التحكم في قائمة المشاركين، فعزلت كل مَن لا يؤيد رؤيتها، وجعلت الكثرة الغالبة من المدعووين هم أنصارها ممثلين في مجموعتي صمود وتأسيس، ولتفادي الحرج جعلت نصيباً محدوداً من قائمة الـ(40) مدعواً من الكتلة الديموقراطية.
بطبيعة الحال رفضت الكتلة الديموقراطية هذه القسمة الضيزى، حسبما أفاد مصدر مطلع في الكتلة، وهددت بمقاطعة المؤتمر إن لم يتم إعادة النظر في قائمة المدعوين، ومع إن مقاطعة الكتلة الديموقراطية – إن حدثت – ستجعل الشق المدني من المؤتمر بلا قيمة، إلا أنه من المستبعد أن يستجيب الممول الإماراتي لرغبة الطرف المنظم (ألمانيا) فيقلص عدد أنصار الإمارات أو يزيد من عدد أنصار الجيش السوداني .





