
متابعات – تسامح نيوز
حولت المليشيا، وخلال فترة سيطرتها على سوبا الغربية بالخرطوم فناءات المدارس مثل مدرسة “الصاحبين” ومربعات الأحياء السكنية إلى مصانع عشوائية للموت، حيث حفرت أكثر من سبعين حوضاً لاستخلاص الذهب من “الكرتة” باستخدام الزئبق ومواد كيميائية بالغة الخطورة. مؤخراً، تحركت الشركة السودانية للموارد المعدنية، بالتنسيق مع المجلس الأعلى للبيئة والجهات الأمنية، وأطلقت حملة كبرى ومهمة لإزالة هذا الخطر البيئي الداهم. هذا التحرك لرفع الضرر عن كاهل المواطنين يمثل خطوة حيوية لإنقاذ البيئة واستعادة الأمان المفقود.
ورحب خبراء ومواطنين بهذا الجهد الذي ينبع من مسؤولية أخلاقية تجاه أطفالنا، إلا أنهم طرحوا تساؤلاً جوهرياً ، أين هيئة نظافة ولاية الخرطوم من هذه الحملة؟ هذه الهيئة العريقة هي المشرف التنفيذي الأول على مرادم النفايات الخطرة، وغيابها عن المشهد يثير الاستغراب. بل ولماذا لم يتم استصحاب إدارة صحة البيئة بالولاية، وهي الجهة الفنية الخبيرة وصاحبة الاختصاص الأصيل في تقييم المخاطر الصحية؟ إن معالجة تلوث كيميائي مركب بهذا الحجم لا يمكن أن تكتمل أو تنجح تماماً دون إشراك هذه الأذرع الفنية التي تمتلك المعرفة الميدانية والتاريخية الدقيقة بأحياء العاصمة.
واشار الخبراء إلى أن الخطوات الصحيحة والسليمة للتعامل مع أطنان “الكرتة” المشبعة بالزئبق تبدأ أولاً بعزل المنطقة الموبوءة تماماً، ثم إجراء قياسات مخبرية دقيقة لنسبة التلوث في التربة والمياه الجوفية. بعد ذلك، يتم كشط التربة الملوثة وتعبئتها في حاويات أو ناقلات خاصة محكمة الإغلاق، وليس نقلها مكشوفة في الهواء لتلويث مناطق جديدة على امتداد الطريق، تمهيداً لنقلها إلى مرادم النفايات الخطرة المجهزة هندسياً لمنع تسرب السموم إلى باطن الأرض، وهنا يبرز مجدداً الدور المفتقد لهيئة النظافة.
لإنجاز هذه المهمة الحساسة على الوجه الصحيح حالياً ومستقبلاً، نوصي بصورة عاجلة بضرورة تدارك الموقف وضم هيئة نظافة ولاية الخرطوم وإدارة صحة البيئة للجنة العاملة فوراً. يجب توفير معدات حماية شخصية عالية الكفاءة للعمال، وإجراء فحوصات طبية دورية لهم ولأهالي سوبا للتأكد من خلوهم من التسمم، مع إعداد خارطة طريق واضحة وموثقة لكيفية ومكان التخلص النهائي من هذه النفايات القاتلة بعيداً عن النيل والتجمعات السكنية.
إن حماية أرواح السودانيين من السموم الصامتة المتبقية في الأرض لا تقل أهمية عن حمايتهم من الرصاص. معالجة جراح البيئة التي خلفتها الحرب تتطلب شفافية تامة، وتضافراً حقيقياً لكل الجهود المؤسسية، ووضع الاختصاصيين في مكانهم الطبيعي، لنضمن جميعاً أن تعود الخرطوم آمنة، خالية من السموم، وقابلة للحياة من جديد.
مصعب البرير





