
متابعات | تسامح نيوز
كتب- عزمي عبد الرازق
عادةً لا أعلّق على أخبار الجيش، تحديداً الترقيات أو الإقالات، أو حتى أوامر التحرك، فهذه مسائل ترتبط بتقارير ومعلومات فنية ومهنية دقيقة، لا تتوافر لعامة الناس، ولا ينبغي أن تتوافر لهم بطبيعتها.
لقد عُرفت المؤسسة العسكرية السودانية، عبر تاريخها، بالتزامها بضوابط صارمة ومعايير مؤسسية راسخة في التعامل مع ضباطها ومنسوبيها، من حيث التعيين والترقية والنقل والإحالة والمعاش والمحاسبة، وهذه الضوابط ليست محل اجتهادات انفعالية أو مزاجية، وإنما تخضع لقوانين الخدمة العسكرية، ولوائح الانضباط، وتقارير الأداء والسلوك، وتقديرات الموقف الميداني والاستخباري، وكلها أمور لا تظهر على السطح ولا تتبدى في الإعلام أو وسائط التواصل الاجتماعي.
ومن هذا المنطلق، لا يحق لنا – كمدنيين أو مساندين من خارج المؤسسة – أن نملي على قيادة الجيش ما يجب أن تفعله في شأن ضباطها، تعزل سر الختم أو تعيد حامد الجامد، تحرك كباشي أو تقوم بترقية كافي طيار، هذا شأن عسكري محض، ولا يحق لنا أن نفرض عليها رؤيتنا الخاصة في اختيار القيادات، أو نمط إدارتها للمعركة. وحتى الخطط العسكرية وأوامر التحرك وإعادة التموضع، فهي بطبيعتها قضايا سرّية، تناقش داخل أروقة هيئة الأركان، وبين مستويات القيادة الميدانية المختصة، وفق تقديرات مهنية بحتة، لا تُبنى على العاطفة أو ضغط الرأي العام، وإنما أيضاً على معلومات عملياتية وتكتيكية واستراتيجية.
ومن ينظر لتجارب الجيوش في العالم يجد أن قرار إعفاء قائد ميداني من منصبه قد يكون، في ظاهره، عقوبة أو إقصاء، لكنه في جوهره أحياناً إعادة توزيع للأدوار بما يضمن كفاءة القرار العسكري، أو مراعاة لظروف ميدانية لا يعرفها الرأي العام، ومن المؤكد أن ترقية ضابط بعينه قد تُفسَّر شعبياً على أنها مجاملة أو محاباة، لكنها في حقيقة الأمر تنهض على سجل طويل من الدورات، والخبرات القتالية، والقدرة على القيادة في ظروف استثنائية، كذلك تغييرات القيادات أثناء الحروب أمر مألوف في كل الجيوش، فقد فعلها ترامب أخيراً عندما أعفى رئيس الأركان الجنرال راندي جورج في خضم المعركة، وفي الحرب العالمية الثانية مثلاً، أُعفي قادة كبار في جيوش الحلفاء والمحور.
في معركة الكرامة التي يخوضها الجيش السوداني اليوم، أبلت كل المستويات – من القيادة العليا وهيئة الأركان، إلى القادة الميدانيين، إلى الجندي المرابط والمجاهد والمتطوع – بلاءً حسناً، وقدّموا أرواحهم ودماءهم بلا من ولا أذى، وواجهوا ظروفاً قاسية ومتعاقبة، في كافة خطوط النيران، وفي بيئة سياسية وأمنية معقدة، هذا العطاء وحده كفيل بأن نلتزم أمامهم بواجب التقدير والاحترام، وأن نرفع لهم القبعات، ونُحسن بهم الظن وبالمؤسسة التي لا تزال تحمل عبء الدفاع عن بقاء الدولة نفسها.





