
متابعات | تسامح نيوز
كتب – لؤي اسماعيل مجذوب
ما يتحرك في الشوارع ليس صدفة.
لم يعد المشهد في الخرطوم يحتاج إلى مبالغة كي يبدو خطيراً؛ ما يحدث في الشوارع هذه الأيام أخطر من أن يوصف، وأقرب إلى ذلك النوع من التحركات التي لا تُعلن عن نفسها لكنها تختبر قدرة الدولة على الفهم. العاصمة لم تعد ترى مجرد غرباء يفترشون الأرصفة… بل ترى حركة منسّقة تتحرك وسط الغبار، تتقدم بثقة وكأنها تعرف طريقها جيداً، وكأنّ أحداً سبق أن رسم لها خط السير وحدد لها نقاط الوقوف.
هناك شيء يتسلل بهدوء، ليس صاخباً بما يكفي ليخيف الناس، لكنه مركز بما يكفي ليخيف من يفهم طبيعة الحروب. شيء لا يتناسب مع الحرب المشتعلة حول العاصمة، ولا مع الطرق التي يفترض أن تكون مغلقة بالنار. شيء يقول إن هناك من يختبر صبر المدينة من جديد… ومن يقيس ردود أفعالها… ومن يعيد وضع قطع الشطرنج في مواقع كانت يوماً مدخلاً للخراب.
ما نراه اليوم ليس ازدحاماً بشرياً… بل إشارة.
والإشارات حين تتكرر بهذا الشكل لا تكون بريئة.
فالمتسولون الذين يملأون شوارع أم درمان والخرطوم وبحري لم يأتوا بدافع الفقر وحده، ولم يسلكوا طرقاً عادية، ولم يعبروا مناطق الحرب بشجاعة شخصية. هؤلاء جاؤوا عبر ممرات محروسة، وطرق كان ينبغي أن تكون مغلقة، وبعربات لا تعمل من تلقاء نفسها. موجات تتحرك وكأنها تستجيب لتوقيت معيّن، وكأنها جزء من خطة لا يريد أحد أن يراها.
من يحتك بالحرب ويفهم طبائع الأعداء يعرف هذه الوجوه. يعرف ذلك التوزع المدروس الذي يبدو عشوائياً لكنه ينتشر في نقاط محددة. يعرف تلك اللغة الغريبة التي لا تشبه السودانيين إطلاقاً لكنها ظهرت في المناطق نفسها التي سقطت فيها الأحياء أيام الفوضى الأولى. يعرف أيضاً أن هؤلاء لم يأتوا على مسؤوليتهم: هناك من جلبهم، ومن استقبلهم، ومن وزّعهم، ومن دفع مقابل وصولهم إلى الطرق التي يجب ألا يُسمح لهم بقطع متر واحد منها.
هذه ليست ظاهرة اجتماعية. هذه امتداد مُحدّث لنفس اليد التي دفعت عشرات الخلايا إلى العاصمة في الأيام الأولى للحرب. اليد التي لا تدخل بسلاحها أولاً… بل تدخل بـ«غطائها»، بمجموعات تبدو بلا قيمة، لكنها في الحقيقة ترسم خطوط الدخول وتختبر قدرة الدولة على الملاحظة والانتباه.
إن من عبر من دارفور وكردفان إلى قلب العاصمة ليس مجرد متسولين. هؤلاء مرّوا في جغرافيا تشتعل بالنيران، في مناطق لم تستطع منظمات الإغاثة الوصول إليها، ومع ذلك وصلوا بسلاسة لا يتمتع بها أبناء المنطقة أنفسهم. هذا وحده دليل على أن لديهم من فتح لهم الطريق، ومن هيأ لهم الظروف، ومن أوصلهم إلى النقاط التي احتلوها اليوم.
والمؤلم أن الدولة، برغم علمها الكامل بخطورة هذا الملف، تختار أن تنظر إلى الظاهرة كقضية شحاذين وليس كقضية أمن قومي. الدولة التي جمعت آلاف من رعايا جنوب السودان في معسكرات ووضعتهم تحت السيطرة الكاملة، تتجاهل موجات أكبر تتدفق إلى العاصمة من دول غرب أفريقيا عبر شبكات تهريب ترتبط بالمليشيا منذ عامها الأول.
لماذا لا يُسأل هؤلاء من أدخلهم؟
لماذا لا تُصادر عربات الترحيل؟
لماذا لا تُحاصر نقاط الانتشار؟
لماذا لا تُعامل الظاهرة كما يعامل أي تهديد مباشر للأمن الوطني؟
لماذا تصمت الدولة وكأن الوقت في صالحها؟
إن ما يجري اليوم هو إعادة تشكيل هادئة لخطوط الداخل. إعادة ملء للأرض بعناصر تُستخدم عند الحاجة. إعادة زرع لأدوات الحرب في قلب العاصمة بعد أن ظن الناس أنها اختفت. وهذه المرة تأتي تحت اسم «الفقر» و«اللجوء» و«الظروف الإنسانية»… بينما الحقيقة أبعد ما تكون عن ذلك.
الأمن ليس عملاً عاطفياً.
والدول لا تُحمى بالإنكار.
والخطر الذي لا يُسمّى اليوم سيصبح هو ذاته الذي نلاحقه غداً بعد أن يكتمل.
ما يتحرك في شوارع الخرطوم ليس بريئاً، وليس صدفة، وليس بلا هدف.
ومن يراقب يعرف أن العاصمة تُختبر مرة أخرى، وأن التهاون اليوم هو شرارة قد لا يطفئها أحد حين تندلع.
ولك الله يا وطني… طالما ظللتَ محاصراً بين غرباء يتسللون بصمت، ومسؤولين يختارون الصمت.





