
مخرجات زيارة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى أنقرة
كتب – د. محمد عثمان عوض الله
مخرجات الزيارة الفريق أول البرهان الى انقره، لم تعد محلل تنجيم و تحليل، وانما معلومات تولى البرهان نشرها بنفسه (ليس من عادته إلا هنا) مما يشير الى درجة الثقة العالية في ان هذه المخرجات قد قطعت شوطا في التنفيذ نفسه و لم تعد مجرد أماني.
تمثل هذه المخرجات تحولا مفصليا في مسار العلاقات السودانية/ التركية، حيث انتقلت هذه العلاقة من إطارها التقليدي إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الكاملة، المبنية على ثلاثة محاور رئيسية ومتكاملة هي: المحور العسكري، والمحور الاقتصادي، والمحور السياسي.
أولا: المحور العسكري/ شراكة استراتيجية شاملة
استبق الرئيس أردوغان الزيارة بتصريح في هذا الجانب قال فيه أن أن أمن تركيا مرتبط بأمن السودان. إلا أن الزيارة حولت العلاقة في شقها العسكري إلى علاقة استراتيجية مكتملة الأركان، تتمحور بصورة أساسية حول التصنيع الحربي ومنتجاته.

ومفهوم الاستراتيجية هنا لا يقتصر على جانب بعينه، بل يشمل كل ما يتصل بهذا الملف من نقل خبرات، وتوطين صناعات، وتطوير قدرات، و بيع منتوجات بل وتكامل في الرؤية العسكرية طويلة المدى.
هذه الشراكة تمثل ركيزة أساسية في تعزيز قدرات الجيش السوداني، وتمنحه أدوات نوعية تؤثر مباشرة في ميزان القوة على الأرض، بما يرجح كفته عسكريا في ظل الحرب الجارية.
ثانيًا: المحور الاقتصادي/ إعادة الإعمار والاستثمار
أما على الصعيد الاقتصادي، فقد شملت العلاقة الاستراتيجية ملفات إعادة الإعمار والاستثمار، إلى جانب مشاريع اقتصادية محددة تم الاتفاق على المباشرة فيها قبل الحرب و بعدها.

ويمثل هذا المحور بعدا استراتيجيا لإعادة بناء الدولة السودانية، ليس فقط من حيث البنية التحتية، بل من حيث إعادة دمج السودان في محيطه الاقتصادي الإقليمي والدولي، وخلق شراكات تنموية طويلة الأمد تواكب مرحلة ما بعد الحرب. لتركيا خبرات طويلة و امكانات كبيرة في هذه الجوانب وتجارب دولية مماثلة في العراق و سوريا و غزة و الصومال و البوسنة وغيرها.
ثالثا: المحور السياسي ضمن تنسيق إقليمي ودولي محكم
في الجانب السياسي، من المؤكد أنه تم الاتفاق على تنسيق عال ومتكامل بين تركيا وكل من السعودية ومصر والولايات المتحدة وقطر، في جملة من الملفات الجوهرية المرتبطة بالقضية السودانية، وعلى رأسها:
1/ إحراج دولة الإمارات وإيقافها عن التأثير في الملف السوداني. (وهذا هو القرار الكبير الذي ذكر الرئيس ترامب بأن محمد بن سلمان طلب منه أن يتخذه).
2/ تولي المملكة العربية السعودية رئاسة الجهود الإقليمية في ملفات السلام والوساطة، والسرديات السياسية، وحماية السيادة الوطنية، وترسيخ مؤسسات الدولة، وتعزيز الشرعية، وغيرها من القضايا المرتبطة باستقرار السودان ووحدته. بالتنسيق مع هذه الدول من ناحية و مع الحكومة السودانية من ناحية اخرى، وفق رؤيتها و مبادرتها المطروحة من قبل الحكومة المدنية بقيادة رئيس الوزراء كامل إدريس.
هذا التنسيق الإقليمي المحكم بين هذه الدول، قد ابتدره ولي العهد السعودي الامير محمد بن سلمان في واشنطن، ثم تعزز بـالبيان المصري، وتواصل عبر زيارات البرهان إلى السعودية ومصر وتركيا، ومن المرتقب أن تعقبها زيارة إلى دولة قطر. وسوف يكتمل هذا المسار بالزيارات المكوكية المرتيقبة للمسؤوليين التنفيذيين بين عواصم هذه الدول.
الأثر على الأرض/ ترجيح الكفة العسكرية والسياسية
بالتوازي مع هذه التحركات، ستنعكس هذه العلاقات الاستراتيجية بصورة مباشرة على التطورات الميدانية، حيث سيتقوى الجيش السوداني بهذه الشراكات، مما يرجح الكفة العسكرية لصالحه.
كما يأتي ذلك متزامنا مع الجبهة السياسية بقيادة رئيس الوزراء للتبشير بالرؤية السياسية والدبلوماسية المتكاملة للدولة السودانية.
الخطوات القادمة/ تفويض وتحرك دبلوماسي واسع
من المنتظر أن يجتمع مجلس الأمن والدفاع السوداني لوضع مزيد من التفاصيل الدقيقة، ومنح تفويض كامل لرئيس الوزراء كامل إدريس.
وعقب ذلك، من المنظر ايضا أن يقوم كامل إدريس بجولة مكوكية تشمل هذه الدول، بهدف:
1/ التبشير بتفاصيل المبادرة السودانية.
2/ الاتفاق مع هذه الدول على تبني المبادرة رسميا.
3/ العمل على الترويج لها في المحافل الدولية، بما يضمن حشد الدعم السياسي والدبلوماسي للسودان في المرحلة المقبلة.
الخلاصة
إن زيارة البرهان إلى أنقرة لم تكن زيارة بروتوكولية، بل كانت منصة استراتيجية أعادت تشكيل شبكة التحالفات السودانية إقليميا ودوليا، وربطت بين القوة العسكرية، والشرعية السياسية، والدعم الاقتصادي، في معادلة واحدة تهدف إلى تقوية الدولة السودانية، وترسيخ سيادتها، وترجيح كفتها في معركة الوجود والاستقرار. اي كيفية انهاء الحرب و تفاصيل ما بعدها.





