أخبار

معاناة .. مآسي .. فقدان الأمل.. واقع يعيشه السودانيون بيوغندا!

متابعات_تسامح نيوز

في أطراف معسكر “كرياندانغو” بأوغندا، تسرد اللاجئة السودانية “وهيبة” قصتها التي لا تختلف كثيراً عن آلاف الحكايات التي خلفتها الحرب، لكنها تُروى هذه المرة بصوت أمٍ وحيدة، تحمل عبء النجاة ومسؤولية الحياة معاً.

هربت وهيبة من السودان برفقة أطفالها الأربعة، تاركةً خلفها بيتاً وذكريات وحياة انهارت تحت وطأة العنف، لتجد نفسها في فضاء مفتوح يُسمى “اللجوء”، حيث لا ضمانة فيه لشيء سوى القلق.

تتحدث السيدة لسودان تربيون بهدوء مُنهك عن تفاصيل يومية بسيطة في ظاهرها، لكنها قاسية في جوهرها؛ من البحث عن مياه صالحة للشرب، ومحاولة توفير وجبة كافية لأطفالها، إلى انتظار دور طويل أمام مركز صحي قد لا يملك الدواء أو القدرة على الاستجابة.

تقول وهيبة: “إن أصعب ما أواجهه ليس الجوع وحده، بل العجز؛ عجز أمٍ ترى احتياجات أطفالها تكبر بينما تتضاءل الفرص، فلا عمل متاح، ولا دخل يمكن الاتكاء عليه، ومع ذلك تُطالَب بالاستمرار والصبر والتكيّف مع واقع لا يرحم”. فداخل المعسكر، تتحول الحياة إلى سلسلة من الانتظارات: انتظار الماء، انتظار الغذاء، انتظار العلاج، وانتظار مساعدات قد لا تأتي.

وبين هذا وذاك، تقف النساء -لا سيما الأمهات الوحيدات- في الصفوف الأمامية للهشاشة، يتحملن أعباءً مضاعفة في بيئة تفتقر لأبسط مقومات العيش الكريم.

تعكس حكاية “وهيبة” واقع اللاجئين السودانيين عامة، والنساء في معسكر “كرياندانغو” خاصة؛ حيث لم تنتهِ الحرب عند الحدود، بل أعادت إنتاج نفسها في صور فقر وحرمان وخوف دائم على مستقبل الأطفال.

أرقام اللجوء والضغط المتزايد

تخرج هذه الشهادة من “كرياندانغو” كنداء إنساني يطالب بألا يُنظر لمعاناة اللاجئين كأرقام في تقارير، فهي حياة معلّقة على حافة الاحتمال.

وتجربة وهيبة ليست حالة فريدة، إذ تشير تقارير مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين إلى أن أوغندا استقبلت عشرات الآلاف من السودانيين منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، حيث تجاوز عددهم بحلول سبتمبر 2025 أكثر من 75 ألف لاجئ، في بلد يستضيف أصلاً نحو مليوني لاجئ من دول الجوار.

وفي السياق ذاته، تفيد تقارير منظمة “يونيسف” بأن عدد اللاجئين السودانيين المسجلين في مخيم “كرياندانغو” وحده وصل إلى نحو 85,004 لاجئ حتى مايو 2025، ما يعكس حجم الضغط الهائل على الخدمات الأساسية. وتشير أحدث البيانات إلى أن النساء والأطفال يشكلون الغالبية الساحقة بنسبة تتراوح بين 70% إلى 80%، بينما يمثل الأطفال دون سن الثامنة عشرة نحو 46% من إجمالي العدد.

وبحسب تقرير التسجيل لعام 2025، تم تصنيف 17,925 سيدة سودانية ضمن فئة “النساء المعرضات للخطر”، كما سُجلت 3,687 أسرة يعيلها والد واحد (معظمها تعيلها نساء)، إضافة إلى 3,607 أطفال يندرجون تحت فئة “أطفال في خطر” نتيجة فقدان الرعاية أو الانقطاع عن التعليم أو الصدمات النفسية.

الضغوط الإنسانية والعنف

شهد مخيم “كرياندانغو” في يوليو 2025 سلسلة من الهجمات العنيفة، حيث اندلعت اشتباكات داخل المخيم أسفرت عن مقتل لاجئ سوداني وإصابة آخرين، واستُخدمت فيها الأسلحة البيضاء، مما أدى لتهجير عائلات من مساكنها وفرض حظر تجول. وتكشف هذه الأحداث أن العنف داخل المخيمات نتيجة مباشرة لتراكم الضغوط، وضعف التمويل، وغياب آليات الوقاية من النزاعات.

 

من الحرب إلى عراء اللجوء

وصل اللاجئون إلى أوغندا بعد رحلات شاقة استمرت أياماً وأسابيع، غالباً سيراً على الأقدام.

وتروي “وهيبة” أنها قطعت رحلة برية استمرت خمسة أيام من ولاية شرق دارفور برفقة أطفالها، واجهت خلالها نقاط نهب مسلح وتهديدات دائمة وأمطاراً أجبرتها على المبيت في العراء.

أما “مختار يعقوب آدم”، فيروي تفاصيل هروبه من مدينة “الجنينة” بعد استهداف الرجال هناك، حيث اضطر للانفصال عن أسرته حفاظاً على حياتهم، ولم يلتم شملهم إلا بعد شهر في أم درمان.

 

لكن القذائف المتواصلة في أم درمان دفعتهم للفرار مجدداً جنوباً عبر دولة جنوب السودان وصولاً إلى أوغندا، ليجدوا أنفسهم في موقع يفتقر لأبسط مقومات السكن، تنتشر فيه الثعابين، ولا تقيهم “المشمعات” الموزعة برد الشتاء أو هجير الصيف.

وبحزنٍ عميق، يتحدث مختار لسودان تربيون عن طفليه “مروان” و”مروة”، اللذين يحتاجان لرعاية طبية مستمرة، حيث اضطرت الأسرة لنقل الدم لهما ثلاث مرات في ظل شح الخدمات الصحية ونقص الغذاء والتدفئة.

 

الغذاء والماء: أزمة بقاء

يعاني اللاجئون في “كرياندانغو” من نقص حاد في المياه النظيفة؛ إذ تراجع نصيب الفرد اليومي إلى 9.1 لتر، وهو أقل من نصف الحد الأدنى الدولي (20 لتراً).

وتؤكد هناء البشير محمد (نائب المدير التنفيذي لمنظمة Development Hub Organisation) أن توقف الدعم أدى لانعدام الغذاء وتوقف المطابخ المجتمعية، مما فاقم الأزمة.

كما يواجه قطاع التعليم ضغوطاً تفوق طاقته، حيث يُدَرَّس أطفال من أعمار مختلفة في فصل واحد، فضلاً عن عائق اللغة؛ إذ يعتمد التعليم في أوغندا اللغة الإنجليزية، بينما كان الطلاب يدرسون بالعربية في السودان.

وتبرز أيضاً مأساة “السناغل”، وهم أطفال وشباب وصلوا دون ذويهم، ويعانون من سوء تغذية حاد أدى لوفيات بينهم نتيجة الأمراض.

مبادرات محلية وتمويل متعثر

أمام تراجع الدعم الرسمي، برزت مبادرات يقودها لاجئون، منها “اللجنة العليا للمطابخ”.

ويقول سكرتيرها “معاوية الحسن” إن الفكرة بدأت بجهد ذاتي لتغطية احتياجات 18 ألف أسرة عبر 18 مطبخاً، لكن عدم انتظام التمويل الذي يعتمد على تبرعات الخيرين يؤدي لتوقفها المتكرر.

ويحذر مسؤول رفيع بمفوضية اللاجئين (فضل حجب اسمه) من فجوة تمويلية خطيرة؛ إذ إن خطة الاستجابة لعامي 2024-2025 تطلب 964 مليون دولار، لم يُمول منها سوى 10% فقط، ما أجبر برنامج الغذاء العالمي على خفض الحصص الغذائية بنسبة تصل إلى 60%، لتصبح المساعدة النقدية للفرد نحو 6 إلى 8 دولارات شهرياً فقط.

غياب الإرادة السياسية

يرى المحلل السياسي التجاني الحاج أن انسحاب قوى دولية كالولايات المتحدة من التمويل الإنساني أحدث فجوة كبيرة، مشيراً إلى أن المقاربات الإنسانية وحدها لا تكفي، وأن فشل “منبر جدة” يعود لغياب الإرادة السياسية، مما يستوجب دمج المساعدات ضمن مسار سياسي وأمني شامل ينهي أصل الأزمة.

إن واقع اللاجئين السودانيين في يوغندا ليس مجرد نتيجة جانبية لحرب بعيدة، بل هو مأساة تتفاقم بصمت؛ نساء يعلنَ عائلاتهن في بيئة هشة، وأطفال يواجهون الجوع والحرمان. ومع تآكل شبكات الأمان، يتحول اللجوء من ملاذ إلى اختبار قاسٍ للكرامة. ويبقى السؤال: إلى متى سيواجه هؤلاء مصيرهم وحدهم بينما يكتفي العالم بالمراقبة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى