أخبار

مَن هي “عسجد”.. ولماذا إختفت شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية!!

متابعات | تسامح نيوز 

متابعات | تسامح نيوز

 

كتب – عزمي عبد الرازق

 

​شهدت مدينة بورتسودان حفلاً صاخباً للإعلان عن تدشين “رخصة محوّل المعاملات المالية” الممنوحة لشركة خاصة تُدعى “العسجد”. الحديث الرسمي، كما جرت العادة، جاء مرصعاً بمصطلحات “اقتصاد المستقبل”، “التحول الرقمي”، و”كسر جدران العزلة”. لكن، خلف هذا البريق التقني الذي حاول ممثلو الدولة والبنك المركزي تزيين المشهد به، تبرز أسئلة مهمة تتعلق بـ “السيادة الوطنية” و”الأمن القومي المالي”، وهي أسئلة لا تحتمل الإجابات المغلفة.

​إنّ محوّل المعاملات المالية لا يمكن التفريط فيه بهذه البساطة، وتركه في “السهلة” لدرجة تفويض تلك المعاملات لشركة ناشئة بقرار إداري، وتجربة حلول ذكية ورقمية لا نعرف عنها الكثير. وهو أيضاً، وأعنى المحول، يعتبر بمثابة “النخاع الشوكي” للاقتصاد الوطني، أو بالأحرى الجهاز الذي يربط المصارف ببعضها، والمستودع المركزي لكل حركة الأموال والتحويلات، والصندوق الأسود الذي يحتوي على تفاصيل دقيقة عن أرصدة وسلوكيات وخصوصيات ملايين السودانيين. فكيف، بموجب أي منطق سيادي، يُعهد بهذا “العمود الفقري” لشركة خاصة، غامضة الهوية، وتُفتح أمامها أبواب الاطلاع على أسرار الدولة المالية؟

​ما خلفية هذا الحماس الرسمي لـ “العسجد”؟ ومَن هم ملاكها؟ ومَن سوف يدير عملياتها؟ هذه الأسئلة، وإن بدت عمياء، إلا أنها تحتاج إلى أجوبة وافية. والأهم من ذلك: أين ولماذا اختفت شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية (EBS)؟ تلك المؤسسة العريقة التي تأسست في العام 1999، وتُعد الذراع التقنية الرسمية للبنك المركزي. هل كانت شركة (EBS)، أو أي شركة أخرى حكومية، عاجزة إلى الحد الذي يتطلب إحلالها بكيان خاص؟ أم أن هناك “كلمة سر” خلف هذا التوجه الجديد؟ المنطق يقول إن إصلاح العيوب وتطوير المؤسسات القائمة هو نهج الدول التي تحترم استقرارها، أما القفز في المجهول مع شركة خاصة – ربما تكون واجهة لكيانات خارجية – فهو نهج يفتح الباب واسعاً أمام مخاطر سيادية لا تُحمد عقباها.

​التجارب العالمية، وتحديداً في ظل الاختراق السيبراني والحروب الإلكترونية، تشير إلى أن هذه المحوّلات تُدار سيادياً أو عبر تحالفات وطنية تشرف عليها الدولة إشرافاً مباشراً. العالم يتجه نحو “السيادة الرقمية”، ونحن هنا نسلّم مفاتيح خزائننا لجهة قد تنهار غداً بسبب إفلاس، أو تعطل فني، أو اختراق سيبراني، أو لأسباب أخرى غامضة!

​وحتى لا أظلم الشركة، فقد بحثت عن معلومات عنها عبر محرك البحث “غوغل”، وتوفّر لي الآتي: “شركة العسجد للحلول الرقمية والذكية (ASD) هي مؤسسة رائدة متخصصة في توفير التقنيات المالية والتحول الرقمي في السودان ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. بقيادة المديرة العامة د. عسجد يحيى الكاظم، تعمل الشركة على بناء بنية تحتية مصرفية وأنظمة سحابية متطورة”. لم أكتفِ بذلك، وإنما حاولت التقصي عن تاريخ تأسيس الشركة، وفوجئت بأنها تأسست في أواخر عام 2025، وبدأت نشاطها المكثف في تطوير البنية التحتية للمدفوعات وحلول التحول الرقمي بالتعاون مع البنوك السودانية ووزارة التحول الرقمي مع مطلع عام 2026. وكان أبرز إنجازاتها إطلاق منصة “العسجد” ومحوّلها الرقمي رسمياً برخصة من بنك السودان المركزي في مطلع يوليو 2026.

​هذه المعلومات الأخيرة فتحت رأسي على مخاوف جديدة؛ فلا أعرف كيف تمكنت “العسجد” من الوصول بهذه السرعة إلى البنك المركزي، وهى حديثة عهد، في ظل حرب اقتصادية تشنها دويلة الشر علينا من كل مكان! ومَن يضمن للمودع السوداني أن بياناته محمية من التسريب؟ ومَن يضمن لنا أن النظام المصرفي لن يتوقف عن النبض إذا قرر “المشغل الخاص” إغلاق الخوادم أو رفع التكلفة؟

​عموماً، أنا لا أعترض على التحول الرقمي، فهذا هو عنوان المرحلة العالمية، ولكنني – وأعتقد أن ثمة مَن يشاطرني القلق – أطالب بأن يكون وطنياً خالصاً، خاضعاً لرقابة الدولة قبل ربحية الشركات الخاصة.

والله من وراء القصد وعليه السبيل

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى