المقالات

حسكا .. وأنطوت فى القلب حسرة!!

نقر الأصابع.. سراج الدين مصطفى

في رحيل الإعلامي القدير محمد محمود حسكا تنطفئ واحدة من أكثر الشموع توهجا في فضاء الإعلام السوداني، ويغيب صوتٌ كان حاضرا في الوجدان قبل الشاشة. غادر الدنيا في هدوء داخل شقته بالعاصمة المصرية القاهرة، لكنه ترك وراءه سيرة لا تُنسى، ومسارا مهنيا يمتلئ بالعطاء والتميز. فقد كان حسكا أحد أبرز مقدمي البرامج في السودان، لا سيما برامج المنوعات والفنون والشأن الثقافي، حيث شق طريقه بثبات حتى أصبح علامة فارقة في الأداء التلفزيوني الحديث.

سطع نجمه في قناة النيل الأزرق، حيث تشكلت ملامح شخصيته الإعلامية المميزة، بعد أن أثبت جدارته في كل ما قُدم له من فرص. كان حضوره البرامجي آسرا، وإدارته للحوار التلفزيوني نموذجا للاحترافية؛ يقاسم ضيفه الندية، ولا يجلس في موقع المستمع فحسب، بل في موقع الشريك المفكر الذي يقود الحوار برشاقة وعمق. وعلى الشاشة كان بسيطا، عفويا، صادقا… تماما كما هو خارجها. تلك الشفافية الإنسانية هي التي صنعت له قاعدة واسعة من المحبين والمعجبين.

كنت معجبا به قبل أن تجمعنا الظروف العملية في قناة الشروق، حيث طلب مني بشكل شخصي أن أنتج معه برنامج صباح الشروق. هناك التقينا مهنيا وإنسانيا، وولدت بيننا ثنائية من الفهم والانسجام. كان يلتقط أفكاري بمجرد أن أبوح بها، ثم يسكب عليها من روحه وحضوره ما يجعلها أكثر إشراقا. ولم أكن أعاتبه حين يخرج عن السيناريو؛ فقد كنت أدرك تماما أن خروجه إضافة وليست خصمًا، وأن عفويته تصنع جمالا لا يكتب.

ثم مضينا معا في تجربة برنامج الشوق والريد التوثيقي عن الفنان إبراهيم الكاشف، فكان كالعادة ملهما، دافقا بالأفكار، يضيء كل زاوية يحل فيها. كان محبوبا بطبعه، وصاحب قبول فطري، وجمعت بينه وبين الفنان الراحل محمود عبدالعزيز صداقة عميقة ومحبة غير عادية، تعكس روح حسكا الودودة والصالحة للجميع.

محمد محمود حسكا
محمد محمود حسكا

برحيل محمد محمود حسكا تُطوى صفحة جمالية باهرة من تاريخ الشاشة السودانية صفحة لرجلٍ طاغي الحضور، باذخ العفوية، نبيل الروح، ترك في كل من عرفه أثرا لا يُمحى. رحم الله حسكا، بقدر ما ملأ حياتنا بهجة، وألهم أجيالا من الإعلاميين أن يكونوا صادقين قبل أن يكونوا بارعين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى