أخبار

عوض أحمدان: [العشي.. الخرطوم بدونك].

متابعات | تسامح نيوز

عوض أحمدان: [العشي.. الخرطوم بدونك].

عوض أحمدان

طفقت ليوم كامل، أبحث بين كنوز اللغة، ودهاليز الكلام، عن كلمةٍ واحدةٍ، أبدا بها سطورى،بعد أن طرق المسامع، نبأ الرحيل المؤلم، وصديقنا، عمر العشي، قد غادر ركب الحياة، غاب نجمه، وتوارى إسمه خلف جبال المنايا، التي لا تتخطي أحدا، مهما كان دوره، أو ارتفع قدره، بين الناس…مات عمر عبد الرحيم العشي، الرجل الأمة، الذي إختصه الله بجملة من المزايا،

قلّ أن نجدها في غيره، الإيثار والنخوة والشهامة والكرم، يبذلها لغيره، بطيب النفس والخاطر المشروح،حتي غدا بين الناس، علماً ورقماً ونجماً، لا يجد راحة جسده، ومتعة روحه، إلا في خدمة الآخرين، من أهل الحي، والمعارف وعابري السبيِل، الذين أصابهم رحيله في مقتل.. أمثال عمر العشي، لا يعيشون طويلاً، كان يشتاق دوماً لللقاء الله، فأحب الله لقائه،الموت كما يقولون، كفه مبسوط، فيها الدرر واللألي، نقاد، لا يختار منها إلا الغوالي الجياد، هكذا كان عمر العشي، كالنسمة الباردة ، تغشي الدواخل المتعبة، في أيام الحرّ الغائظ ، تدلق فيها بشارات الأمل، وأقداح السرور..

عوض أحمدان: [العشي.. الخرطوم بدونك].

بعد الحرب المفروضة، التي دخلت عامها الثالث، لا ننكر إننا نعيش في زمان الفواجع والأحزان، فقدنا من الأنفس ما فقدنا، وتاهت قوافل الترحال، تنيخ رواحلها،بين المدن الآمنة، والمنافي البعيدة، تلوذ بالصبر، ونصر الله القريب، الذي باتت ملامحة تطل، وجيش البلاد، يمسك بمقود السفينة، ليرسو بها علي شواطئ الأمان، كانت وجهة الراحل، وأسرته، الي أرض الكنانة،

قطعته المسافات البعيدة،عن وطنه، ولكنها لم تفصله، عن أهله وبيته وأرضه، حدثني قبل ثلاثة أيام من رحيله، عن الروح الجديدة التي إنتابته، والخرطوم ، قد بدت علي محياها ، مظاهر التعافي اللافت، مما يستوجب، سرعة التحرك إليها، للمساهمة والتعمير، دراءًا وإصلاحاً، لأنواع الدمار الذي احدثته المليشيا، في أحياء الخرطوم، لم أستغرب كلامه، وغيري يعلم، محبة العشي للعمل العام، قبل تهذيب الحدائق، وإعانة الملهوف، وإضاءة الشوارع، ونظافة الطرق،

عوض أحمدان: [العشي.. الخرطوم بدونك].

وتوفير الاحتياجات، من الغاز والأدوية، والكساء و(سِلال) الطعام، التي كانت تخرج من داره بالخرطوم ٢، في كل الأوقات، خاصة في رمضان، كان عمر العشي(يرحمه الله)، شمعة متقدة،تحرق ذاتها لتهب الضوء للآخرين، دارهم مفتوحة، مشرعة الأبواب، للطلاب والحجاج، وأهل الحاجات، فقد درج والدهم، المحسن المرحوم(عبد الرحيم محمد عثمان العشي) ، علي ذلك، وحث أبنائه، إقتفاء أثره، بأن يكونوا لغيرهم لا لأنفسهم،

 

فكانت (وصيته) النافذة، التي جعلها ، ابناؤه، (بِراً) و(صدقةً) لوالدهم،الذي تمدد عطاؤه بسخاء، بين الخرطوم، ومورة والجزيرة، خاصة ( الدبيبة الدُباسين)، سعي أهلها، يتقدمهم، الحاج، عمر الصاروخ، والناظر رحمة الله، وغيرهم من الأكابر والاعيان، سعوا الي تكريم(العشي الكبير) ، قبل أعوام، بين أبنائه، وأهله وجيرانه، بالخرطوم ٢، عرفاناً، بما قدمه من خدمات لمنطقتهم، وقد حضرت بنفسي فعاليات التكريم بالخرطوم، واتبعتها بزيارة أخري، رفقة الأخ، عبد المنعم العشي، لزيارة أهلنا في (الدبيبة الدباسين)، ومازالت الصلة، تمتطي أجنحة الوفاء، والإخاء الصادق، والتواصل الحميم.

لم تقتصر مهام وأدوار ، الراحل عمر العشي، علي جوانب العمل الإنساني، التي كان وسيظل فارسها، الذي لا يشق له غبار، كان للرجل كسبه الواضح، في حقل الثقافة، وميادين المعرفة، ومنابر الفنون، فهو من الأعضاء المميزين، في جمعيات الخرطوم، ١،٢،٣، من منصاتهم المعروفة، (النادي العائلي) ، الذي يجمع بين ثناياه، نخبة من كرماء أحياء الخرطوم، احمد مكي عبده، عادل جابر ابو العز، عمر العشي، أبوبكر وزيري، وجدي ميرغني، شنان حسونه، عباس ركس، هاشم كابلي، عبد العزيز بقاله، وغيرهم من الفضلاء والفضليات،الذي قدموا عبر المنتدي الشهير، سلسلة من الندوات والحلقات والبرامج، التي تضاهي في تميزها، ما عجزت أن تقوم به وزارات الثقافة،

خلال الحقب المختلفه،،،كانت دار العشي،مأواً يقصده الكثيرون، من المثقفين، والاعلاميين، والفنانين، والكُتاب والمفكرين، والمُداح،و العلماء،وأعيان المجتمع، (فطور الجمعه) أصبح برنامجاً ثابتاً، يحرص عليه ، عمر العشي وإخوانه، تُنصب موائد الطعام، فيها من المشاوي والمطايب، وصنوف اللحوم، ما لم يخطر علي قلب إنسان، سرعان ما يتحول المكان الي (صالون العشي الثقافي) ،الشعر والغناء، والأدب والمديح والوعظ ،تتنوع برامج الصالون، مثل تنوع موائد الطعام تماماً، لا يفرق بينهما إلا الشكل والمضمون فقط…

أيام (الكرونا) التي حبست الناس في بيوتهم، ومنعت عنهم برامج التسلية والترفيه، خرج عمر العشي ، بمنتداه الأسبوعي ، الي (ميدان الحضري) بالخرطوم، يمارس نشاطه بحرز شديد، في التباعد والتجليس، ومراعاة كل الاشتراطات الصحية، يتولي الصرف من جيبه الخاص، دون ان تعينه اي جهة في ذلك..

الراحل عمر العشي، رجل تتقاصر دونه الكلمات، وتعجز عن وصفه العبارات، رغم بعده، ووجوده في مصر،(أثناء الحرب)كان يتابع مجريات الأحداث، ويسأل عن أحوال الناس، ويقدم خدماته بذات الهمة والنشاط، لا يصرفه شيء عن نهجه، الدليل علي ذلك توزيعه(كرتونة رمضان)، الماضي، لتصل الي مستحقيها، حسب معرفته، داخل أحياء القاهرة المختلفة، نسأل الله أن يثيبه خيراً، فهو منذ عرفناه، مجبول علي فعل الخيرات….مات، عمر العشي، بعيداً عن وطنه، نحسبه في زمرة الشهداء، مضي الي ربه، تقياً، نقياً طاهراً، توضأ وأحسن الوضوء، في (شقته)، (الدور العاشر) وأخذ طريقه الي المسجد، ليدرك كعادته صلاة العشاء في ركب الجماعه، وهو يهم بالنزول، مستخدماً، مصعد العمارة(الاسانسير)، كانت النهاية المحتومة، التي قدّرها الله ، ولا راد لأ قدار الله المكتوبة، فالرجل كان يمني نفسه، ان يكون المرقد الأبدي، وسط الأهل ،

بمقابر فاروق، التي نذر وقته وماله وجهده، الي رعايتها ونظافتها، وتوفير مطلوباتها، لكن لا تدرى نفس، بأي أرض تموت…أسوق هذه الكلمات، وأعلم إنها المرة الوحيدة، التي لن يقرأ فيها حروفي، كما عهدتك، بعد أن عَبّرت الي الضفةٍ الأخري، التي سنأتيها يوماً، مهما تباعدت شُقة الأيام، كنت وستظل، فينا ومنا، خالداً، تحتل مكامن الإعجاب في القلوب، كنت، أرجحنا عقلاً، وأقوانا شكيمةً، وأمضانا عزيمةً،وأكثرنا صدقاً، وأولنا مبادرةً، فها أنت تسبقنا الي عوالم الخلود..

ما عرفت نفسي يوماً، شاعراً، يكتب المراثي مثل فحول الشعراء، وأرباب القريض، أحاول هنا، التعبير بكلمات(مسجوعة)، علها تُسكت وحيح القلب الذي ، أحترق بعد رحيلك….

مات العشي ما قال لينا كلمة وداع..

فات خلانا ما شال معاه أي متاع…

زول المكرمات الخُلَق لابسه قِناع..

يوم الجمعه يجيك من ديارو شُعاع..

تتلم الخلوق ثنائي فُرادى ولآ رَباع..

فى بيته الفطور والشاي ونكهة النعناع..

عادة قديمة من زمن أبوهم اللمّاع..

حافظين للوداد عمر لي اخوانو ضُراع.

الخرطوم عارفاهو زولاً كريم وشجاع…

يخدم غيرو لا بيقلق ولا بكون مُلتاع..

ف العائلي منتداه ديمه يطرب الأسماع…

ثقافه فنون والمعارض تجيك فسراع..

غلبني أعبر بضرب أسداسي ف أسباع.

صحيح الموت دايما للقلوب فزّاع.

رحيل عمر سَبَب لينا اللوعة و الأوجاع..

كان يقِسم اللُقمة مع المحروم ولآ جِيّاع..

ماني شاعر ولآ بعرف للقوافي أنواع…

بي سجع الكلام الماهو ذي ما كتب جماع…

أعزي أخواني آل العشي في الوطن وبِقاع..

خلاص نفرد للمآسي في حياتنا شِراع..

ندخل كلنا نفق المواجع لي أوآخر القاع..

حليلو أخونا فارس الحوبه الراسي ما جعجاع..

يتولاه الكريم ف الجنه مع حمزه والقعقاع..

أين إخوانك والأهل والأبناء ياعمر؟، فقد تفرقنا في الفجاج البعيدة، كنت أتمني ان نلتقي عندك ، وأنت جسداً مُسجي، نلقي عليك نظرة الوداع، (نقالد) بعضنا، بكاءًا حاراً (نفِك العَبَرة) ونذرف الدموع…العزاء الي أبنائك، احمد ومحمد، واخواتهم، والي إخوانك، عثمان، وعلي، وعبد المنعم، ومحمد، وطارق، و الأستاذ يحي، وعبد الحي، وميرغني،وكل آل العشي، في الخرطوم، ومورة وفي كل مكان، وكيف سيكون حال (الخرتوم) بدونك ياصديق الروح …وسلام عليك أخي، يوم ولدت ويوم مُت ويوم تُبعث حياً،

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى