
متابعات | تسامح نيوز
كتب -أبوذر الغفاري بشير عبد الحبيب
لم يُفلح المؤتمر الصحفي الذي عقدته اللجنة العليا لصيانة كبري الحلفايا في كشف الغموض الذي لازم إسناد صيانة الكبري لشركة واحدة، دون أن يتم ذلك من خلال آلية التنافس التي نصّت عليها التشريعات المنظمة، بما في ذلك قانون الشراء والتعاقد والتخلص من الفائض لسنة 2010، الذي حدّد مجالات ضيّقة جداً للتعاقد من خلال الأمر المباشر، ليس من بينها أعمال الإنشاء والصيانة بالمبالغ التي حُدّدت لصيانة الكبري، وهي ما يعادل 11 مليون دولار.
فالمخالفة في إسناد العقد لشركة خاصة دون اتباع آلية التنافس التي حدّدها القانون المشار إليه تُعد مخالفة ذات طبيعة قانونية، تُصادر حقوق الشركات الأخرى في المنافسة، وتثير تساؤلات حول صحة إجراءات التعاقد، وليست أمراً فنياً أو هندسياً. ومن ثم فإن الجهة المسؤولة عن توضيحها هي وزارة العدل، باعتبارها الجهة الرقيبة على العقود الحكومية، والمسؤولة عن التأكد من إجرائها وفق القانون.
تُعد وزارة العدل حائط الصد الأول لإيقاف المخالفات التشريعية الخاصة بالعقود الحكومية، والجهة المسؤولة عن ضمان سيرها وفق الإجراءات التي نصّت عليها التشريعات، بما في ذلك قانون تنظيم وزارة العدل لسنة 2017 وتعديلاته، الذي حدّد مهام واختصاصات الوزارة في المادة (4)، ومن بينها: (تقديم الخدمات القانونية لكافة أجهزة الدولة، بما في ذلك دراسة وصياغة العقود والاتفاقيات والقرارات ومراجعتها).
عند تعيين السيد وزير العدل الحالي، وقبل أن يُكمل شهره الأول أو يتعرّف على وزارته، أوصى مجلس الوزراء بإصدار قرار يتعلق بولاية وزارة العدل على الأعمال القانونية في الدولة. ومن ثم أصدر مجلس الوزراء القرار رقم (57) لسنة 2025 بإجازة موجهات عامة بشأن ولاية وزارة العدل على الأعمال القانونية للدولة، وكان معظم ما تضمنه القرار المذكور متعلقاً بولاية وزارة العدل على العقود الحكومية، رغم أن ما ورد فيه مُضمَّن أصلاً في التشريعات المنظمة. فعلى سبيل المثال ورد فيه:
• (تباشر جميع أجهزة الدولة معاملاتها القانونية عبر مستشارين قانونيين من وزارة العدل)، وهو تأكيد لما ورد في قانون تنظيم وزارة العدل لسنة 2017 في مادة الصلاحيات: (تقديم الخدمات القانونية لكافة أجهزة الدولة).
• (لا يتم إبرام أي عقود أو اتفاقيات أو معاملات يترتب عليها التزامات على الدولة إلا بموافقة وزارة العدل أو من يمثلها في أجهزة الدولة)، وهذا تأكيد لما ورد في القانون نفسه: (يتولى وزير العدل أو يشرف على مدّ أجهزة الدولة بحاجتها من الخدمات القانونية في صياغة القرارات والعقود والاتفاقيات ومراجعتها).
• (لا يتم دفع أي مبالغ مالية تتعلق بالتزام تعاقدي إلا بعد التأكد من توثيق العقد بواسطة مستشار قانوني من وزارة العدل)، وهو تأكيد لما ورد في القانون بشأن (اعتماد وتوثيق المستندات القانونية والتصديق عليها وأخذ الإقرارات المشفوعة باليمين وتحليف اليمين وفقاً لما تحدده اللوائح).
• (يتم إشراك ممثل من وزارة العدل في كافة لجان العطاءات والمناقصات الخاصة بأجهزة الدولة، وكذلك في أي تفاوض داخلي أو خارجي يترتب عليه التزامات على الدولة)، وهذا تأكيد لما ورد في المادة (10) من قانون الشراء والتعاقد والتخلص من الفائض لسنة 2010 بشأن تكوين لجنة المشتريات بالوحدة الحكومية.
يتضح من كل هذه النصوص أن وزارة العدل هي صاحبة الولاية الأساسية على العقود الحكومية وصياغتها، والتأكد من أنها تمت وفق الإجراءات الصحيحة التي نصّت عليها التشريعات المنظمة. كما أن قانون تنظيم وزارة العدل لسنة 2017 جعل الفتوى التي يصدرها المستشار القانوني ملزمة لذلك الجهاز، ونصّ على أن تُتخذ الإجراءات القانونية في مواجهة المسؤول التنفيذي الذي يرفض تنفيذ الفتوى وفقاً لأحكام القانون الجنائي لسنة 1991.
قبل أعوام قليلة، لجأ بعض منسوبي وزارة العدل إلى تقييد بلاغ جنائي في مواجهة مدير إدارة المراجعة الداخلية بوزارة المالية، وأُلقي القبض عليه من داخل الوزارة لرفضه تمرير منحة وردت في قرار صادر من مجلس الوزراء خاص بالهيكل الراتبي الموحّد. ورغم المآخذ العديدة على هذا الإجراء، فقد تم تبريره بالدفاع عن صلاحيات الفتوى التي تصدرها الوزارة وضرورة الامتثال لها. وفي تقديري أن الحماية الجنائية لفتاوى وزارة العدل لا تتوقف على الحالات التي تمس مزايا منسوبي الوزارة، وإنما شُرعت في المقام الأول لحماية المال العام والتأكد من أنه يتم إنفاقه وفق الإجراءات المعتمدة العادلة والشفافة.
الخلل في إسناد تنفيذ كبري الحلفايا يتعلق، في المقام الأول، بإجراءات قانونية لا فنية، مما يجعل وزارة العدل صاحبة الدور الأول في توضيح الحقيقة، لا الجهات الفنية، كما أن عليها اتخاذ الإجراءات التصحيحية اللازمة.





