
يا مبارك أردول.. ولى زمن الإبتزاز
كتب – د. عبدالرؤوف قرناص
هذه هي الحقيقة التي باتت واضحة كالشمس في رابعة النهار؛ أن زمن ابتزاز الناس باسم التهميش أو النزوح أو النضال قد ولى، وانكشف زيف كل من يتاجر بمعاناة المواطنين ويقدم نفسه بطلاً، بينما هو في الحقيقة جزء من الأزمة لا من الحل.
لقد انتقد مبارك أردول الوقفة الحضارية والاحتجاج السلمي الذي قام به أهلنا في دلقو رفضاً لخطط توطين النازحين في المنطقة. والحقيقة أن الفرق كبير بين التوطين والإيواء المؤقت، وهو فرق يدركه أردول جيداً.

فأهل الشمالية لم يرفضوا النازحين، ولم يغلقوا أبوابهم في وجوههم، بل كانوا من أكثر أهل السودان استقبالاً لهم واحتضاناً لمعاناتهم. لقد فتحت الولاية الشمالية وولاية نهر النيل المدارس، وفتحت الأسر منازلها، وتقاسم الناس الطعام والماء والمأوى مع إخوانهم الفارين من جحيم الحرب. فعلوا ذلك بدافع الواجب والإنسانية، ومن واقع ثقافة راسخة في الإقليم الشمالي تقوم على السلم والتكافل واحترام الإنسان.
لكن هناك فرقاً واضحاً بين أن تستضيف النازح حتى تنتهي محنته، وبين أن تُفرض على المنطقة سياسات توطين دائمة دون مشاورة أهل الأرض، ودون رؤية واضحة من الدولة. فالإيواء واجب، أما التوطين القسري فهو أمر آخر تماماً، وله تبعات اجتماعية واقتصادية وأمنية لا يمكن تجاهلها.
إن النازحين مسؤولية الدولة أولاً وأخيراً. وعلى الحكومة أن تقوم بواجبها في إنشاء معسكرات وخدمات تحفظ كرامتهم، إلى حين تحرير مناطقهم وعودتهم إليها معززين مكرمين. أما أن يُترك الأمر للفوضى، ثم يُطلب من المواطنين أن يصمتوا أو يُتهموا بالعنصرية وضعف الوطنية إذا أبدوا رأياً أو تحفظاً، فهذا هو الابتزاز السياسي بعينه.
لقد ظل الإقليم الشمالي، منذ الاستقلال، واحداً من أكثر أقاليم السودان استقراراً ووفاءً للدولة السودانية. لم يعرف التمرد، ولم تنشأ فيه الحركات المسلحة التي رفعت شعارات التهميش ثم لم تترك وراءها سوى الخراب والندم. وفي الوقت الذي دخلت فيه مناطق أخرى في دوامات الحرب والصراع، ظل أهل الشمال أوفياء للسودان، منحازين للاستقرار، ومؤمنين بأن الوطن لا يبنى بالبندقية ولا بالشعارات الجوفاء.
ولذلك، لن يأتي مبارك أردول أو غيره ليعلم أهل الشمالية معنى الوطنية، ولا الفرق بين الواجب والعار. فنحن لا نرضى بالظلم، ولا نقبل أن يُضام إنسان، لكننا في الوقت ذاته نرفض أن تُفرض علينا أجندات تحت ستار الإنسانية، بينما هي في حقيقتها محاولة جديدة للمتاجرة بالأزمة.
ليس هناك من هو أكثر حرصاً على السودان من أهل الشمال، ولا أكثر استعداداً للتضحية من أجل بقائه موحداً وآمناً. ومن يزايد على أهل الشمالية في حب الوطن، فهو يجهل تاريخهم، أو يتعمد تجاهله.
إن الأرض التي أنجبت خليل فرح، وجعلته يصدح
> عازة في هواك
عازة نحن النبال
هي ذات الأرض التي ستظل وفية للسودان، مهما ارتفعت أصوات المزايدين، ومهما حاول البعض أن يرهب الناس بقعقعة الشنان.
سيظل السودان أكبر من تجار القضية، وأكبر من الذين يعيشون على صناعة الأزمات وإدامتها. أما زمن الابتزاز، فقد انتهى.





