المقالات

🖊️ عريب الرنتاوي يكتب: الأزمة بين روسيا وإسرائيل… ظلال التاريخ وحسابات المستقبل

تسامح نيوز  – الخرطوم

داهمت الأزمة الأوكرانية حكومة إسرائيل وهي على غير استعداد، فالائتلاف “الهش” الذي تستند إليه، والذي فقد مؤخراً غالبيته البرلمانية، الضئيلة على أية حال، يضم مروحة واسعة من الطيف السياسي – العقائدي الإسرائيلي، من اليمين واليمين المتطرف والوسط واليسار (وبعض العرب)، ولم تكن مهمة صياغة موقف “صلب” مشترك، باليسيرة على رئيس الحكومة ووزير خارجيته، فجاءت مواقف حكومتهما، متضاربة من الحرب وأطرافها ومراميها، حتى بات متعذراً على المراقبين، معرفة الموقف الحقيقي لهذه الحكومة من أخطر أزمة تصيب الأمن والسلم الدوليين، منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.
ولعل هذا ما يفسر، إلى جانب عوامل أخرى، قيام إسرائيل بعرض نفسها لأول مرة في تاريخها، كـ”وسيط” في النزاع، وهي التي اعتادت أن تكون “طرفاً خشنا”، مصطفاً خلف الغرب والولايات المتحدة، في مختلف الحروب والنزاعات.. علاقات إسرائيل الاستراتيجية بواشنطن وحلفائها الغربيين، لم تمنعها من السعي لحفظ مصالحها الناشئة مع روسيا، وتحديداً ما خص منها الوضع في سوريا ولبنان ومصير الملف النووي الإيراني، ومشروع “الوساطة” الإسرائيلية في الأزمة الأوكرانية، لم يكن مقصوداً بذاته، أو مبنياً على “وهم النجاح” بوقف الحرب، بل كان مخرجاً من “مأزق الخيارات”، ووسيلة لتفادي العواقب غير المحمودة لأي انحياز سافر لهذا الفريق على حساب ذاك.
بدا لبعض الوقت، أن القفز إلى الوساطة بدل الاشتباك، قد مكّن حكومة بينت من تحويل “التحدي الأوكراني” إلى فرصة، ونجحت إسرائيل في الحفاظ على ما هو أكبر وأمتن من “شعرة معاوية” مع الكرملين، وظل طيرانها “يعربد” في السماوات السورية، دون أدنى تغيير في “قواعد الاشتباك، وظلت قنوات التنسيق بين الجانبين، سالكة في الاتجاهين، وتلكم قصة نجاح للدبلوماسية الإسرائيلية، يتعين الاعتراف بها.
وثمة قصة نجاح أخرى، يتعين الاعتراف بها، وتمثلت في توظيف إسرائيل مخاوف بعض القادة العرب، من عواقب “التخلي” و”الخذلان” الأميركيين لهم، لتعزيز اندماجها في المنطقة من ضمن “السياق الإبراهيمي”، وتأهيل ذاتها، للقيام بدور قيادي فاعل في المنظومة الأمنية الإقليمية، فالتأمت اجتماعات “النقب” السداسية في ذروة الأزمة الأوكرانية، وبحضور وزير الخارجية الأميركي شخصياً، ما عنى بكل وضوح، أن المقاربة الإسرائيلية حيال الأزمة الأوكرانية، وإن لم تحظ بكثير من الترحيب والحماسة في واشنطن وكييف، إلا أنها لم تُفضِ إلى أزمة في علاقات إسرائيل مع هذه الأطراف.
لكن التطورات الميدانية للأزمة الأوكرانية، وتفاقم حدة الصراع بين روسيا والغرب، كانا يجعلان من الصعب على الائتلاف الحاكم في إسرائيل الاستمرار في المواقف ذاتها.. بدأت حكومة الائتلاف، تحت ضغط من واشنطن و”اللوبي الأوكراني” في إسرائيل، في إظهار مزيدٍ من المواقف المؤيدة لأوكرانيا، وتوالت التقارير عن دعم إسرائيلي لحكومة كييف، يتخطى المساعدات الإنسانية، إلى إرسال المقاتلين والخبراء وتقديم مساعدات أمنية وعسكرية ولوجستية، تحتاجها أوكرانيا في حربها “الوجودية” مع روسيا، وهو ما أثار حفيظة الكرملين، وتسبب بأزمة في العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى