
لـواء رُكن (م) د. يونس محمود: أين هم؟ البعاتي والنفر؟
لـواء رُكن (م) د. يونس محمود
خاويةٌ كأنَّها لم تغن بالأمس، تلك هي الأطرُ التي أطلَّت منها صورُ وشخوص عهد القحّاطة الذين ملأوا الدنيا نعيقًا مثل أسراب الغربان المتزاحمة على الأعشاش وقت المغيب، أعشاش مراكز السلطة والمال والنفوذ في وقت مغيب شمس العزّة في أُفق التغيير، شمس العزّة التي قال عنها المبدع السر قدور أنّها طلعت وبقت شمسين هذا الذي يستخلصُ رحيق الخيال فيصوغُ منه شهد الكلام، رحمة الله عليه.
ذلك العهدُ القحطي جاء كغاشيةٍ من عذابٍ أو طائفًا قدريًا يبعثُ آيةً لأصحاب الجنّة البُخلاء، فكان حميدتي أكبرهم منصبًا، وأكثرهم مالًا، وأشدَّهم قوّة، وأوسعهم جاهًا، وتفاوتت مقادير النفر البقيّة من حاقدٍ ومتسلّط ولصّ ( *شاشات* ) فكانوا عبئًا على مقاعد الحُكم، وانطووا على مكرٍ تزولُ منه الجبال.

ثُمّ إستدرجتهم أقدارُ الله الأشد مكرًا، فوثبوا للمجهول حيثُ إستنكف حميدتي الكرسي الثاني طمعًا في الأول، وكان تقديره أنَّها مجرّد خطواتٍ وبضعُ أمتار بين المكتبين المتجاورين في القصر الجمهوريّ، يُمكن أن تعبرهم التاتشر بسرعة المفاجأة من المدينة الرياضية إلى إستراحة الرئيس إلى القيادة العامّة في لحظاتٍ تتبدّل فيها الأوضاع في السودان وتتحوّل ملكيته من الشيوع إلى الخاص، وقبلته من الإسلام الى العلمانية، وتبعيته من الحُرية إلى خادمٍ في ديرة إبن زايد، هذا ما كان من أمر البعاتي حميدتي.
أمَّا بقيّة النفر فإنّهم لم يذوقوا طعم النوم تلك الليلة، موزّعين ما بين الخوف والرجاء ( *مهجسين* ) تنتهبهم أخيلة المآلات، تراودهم فرحة النصر، ونشوة الظفر بخصومهم ( *الإسلاميين* ) فيلبسونهم سرابيل من قطران، ومنهم من تهيأ لتلاوة نصّ البيان يردّد بين شفتيه السطور المفتراة ( *يوسف عزت* ).

وهناك من ينتظر الإشارة، ويتحرّى البُشارة كما يتحرّى العشوق خشخشة أقدام الموعود، وهُناك ما بعد هُناك هذه في سلسلة المؤامرة وصف الإنتظار لحصاد إستزراعه وجني إستثماره في تل ابيب، وبروك استريت في فيكتوريا حيثُ مقر ال( *F16* ) البريطاني.
وشارعُ كاستيلانا رقم٢٢ في باريس حيثُ المديرية العامّة للأمن الخارجي، و لانجلي فيرجينيا قُرب واشنطن حيثُ مقر ال ( *CIA* ).
ومرابط الخيل والبغال والحمير المعدة لحمل الاثقال والاوزار الى ربوع اهلها وجيرانها المسلمين من عواصم عربية .
نعم كُل هذا الطابور الطويل الممتد مثل طوابير الموائد ( *self_service* ) كلٌ يحملُ صحنه وسكينه ويتلمظ لعاب الإشتهاء وينتقي بعينيه صنفه المفضّل، منهم من يريدُ ذهب السودان ومائه، كإبن زايد قارون العصر، ومنهم من يريدُ إسلامه كحال اليهود الأشد عداوةً ومنهم من يريدُ حضارته ووحدته كأمريكا لأنها بلا حضارة ولا تاريخ، ومنهُم من يريد القصاص كبريطانيا التي تتحسّس ندبة غردون في رأسها كلّما تبرّجت أمام المرآة، ومنهُم من يتقصّد الإلتزام والمحافظة كفرنسا سيدة ثقافة اللاقيود، ومنهم حميدتي للسلطة، والقحّاطة لتصفية حساب مؤجل وهكذا.
ثم يشاءُ الله غير ما يشاؤون فينبري لهم رجالٌ صناديد، يذودون عن حِماهم كما تذود الأُسُد الكواسر، وهكذا يختلُّ البناء كلّه وتنهار قواعده ويسقط السقف فوق رؤوس الجميع.
أين حميدتي الآن ؟
سؤالٌ مُلِّح يطرحه الأشاوذ كُل ساعة في فضاء الأسافير يشكون بؤس الحال، وغياب الهدف، وكثرة الخسائر، وفساد القادة، وتنمّر الماهرية، والفوضى الضاربة فيما تبقّى من المليشيا.
أين حميدتي البعاتي ومجلسهُ الرئاسي صاحب الخمسة عشر عضوًا، لم يُسمع لهم حسّ ولا ركز منذُ إطلالة الشيوعي نُقد وإعلانه المتعجّل عن مجلس تأسيس.
أين التعايسي ( *بالسين* ) الذي باركت له إحدى المطاميس باركت له السودان، فقالت وهي لا تدري من فرط الفرحة مبروك التعايسي للسودان، وهذه مفهومة، ولكن مبروك السودان للتعايسي دي زيادة عيار من النوع الذي تستخدمه هذه الكارثة.
أين البعاتي وأخوه المعتوه لأنّه لا يُعقل غياب قادة يمسكون بكُل شئ حتى الدقيق كما قال المقدم خلا ( *السافنا* )
لا أحد يعلم ، ولا ينبغي لأحدٍ أن يعلم أين هؤلاء الأشقياء السحرة الذين غيّبوا عقول ووعي الحواضن وجعلوهم يموتون أمام مقرّات الجيش ودفاعات المُدن كما يموت الفراش الأحمق في النار.
إنّها أقدارُ الله اللطيف ومشيئته الحكيمة أن يسقط كل هذا الكيد في بلاد السودان برغم ما أُعِدَّ لهُ من جمعٍ كبير عبر قارات العالم من سلاح ومرتزقة.
وبهذا النصر الذي تحقّق بفضل الله ثم قيادة القوّات المسلّحة وصفّها وجنودها ومن بعد كُل من ساندها خاصةً شباب البراء بن مالك، بهذا النصر تنتهي أطماع الدول بعدما عرفت مقدار البأس والصبر في هذا الشعب العجيب ( *الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ* ).
اين هم ؟ والجواب قد تفرّقوا بددًا.
مشهد الشقيّ إبراهيم بقّال وهو يلتمسُ دروب النجاة في تشاد أفضل تلخيص لحال المليشيا، وما ذكره النقيب أحمد عبد الرسول عن اضطهاد الماهرية للمحاميد وبقيّة القبائل هو توقيعٌ على دفتر الخروج.
لا أعَـاد اللهُ حميدتي البعاتي ونفره الأشقياء.
سدّد اللهُ رمي جيش السودان ومن بمعيّته.
*بَـلْ بـَـسْ*





