د رجاء عبدالله حمد الزبير: بعثة تقصي الحقائق الدولية في السودان.. بين الرفض والتعاون
متابعات | تسامح نيوز

د رجاء عبدالله حمد الزبير: بعثة تقصي الحقائق الدولية في السودان.. بين الرفض والتعاون
تُعد البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان، التي أنشأها مجلس حقوق الإنسان استجابةً للوضع الإنساني الناجم عن النزاع المسلح الدائر منذ أبريل 2023، من الآليات الأممية التي تهدف إلى تعزيز المساءلة، ومناهضة الإفلات من العقاب، ودعم جهود العدالة الدولية.

تأسست البعثة في أكتوبر 2023 لمدة عام واحد، قبل أن تُمدد ولايتها لعام إضافي لتستمر حتى أكتوبر 2025، وذلك للتحقيق في الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
تهدف البعثة إلى التحقيق في جميع الانتهاكات المزعومة المرتبطة بالنزاع المسلح منذ بدايته، سواء ارتكبتها القوات المسلحة السودانية أو قوات الدعم السريع المتمردة أو أطراف أخرى متورطة.
كما يتضمن نطاق عملها الحصول على الأدلة ذات الصلة بالانتهاكات، بما في ذلك شهادات الضحايا وتحليلها وتوثيقها والتأكد من مصداقيتها، وصولاً إلى تقديم توصيات بشأن تدابير المساءلة وفقاً للمعايير القانونية والمهنية الدولية. وتشمل ولاية البعثة كذلك تحديد الأفراد والجهات المسؤولة عن الانتهاكات تمهيداً لمحاسبتهم، وتقديم توصيات لمعالجة الأسباب الجذرية للإفلات من العقاب، وتعزيز آليات العدالة والمصالحة الوطنية.
وفي إطار ولايتها، أبدت البعثة استعدادها للتعاون مع جميع أصحاب المصلحة، بما في ذلك الجهات الوطنية الرسمية ومنظمات المجتمع المدني، مؤكدةً حرصها على احترام السيادة الوطنية وتكامل الأدوار بين الآليات الدولية والمؤسسات الوطنية.

إلا أن الحكومة السودانية، عبر وزارة الخارجية، أعلنت رفضها الرسمي للتعاون مع البعثة ومنعتها من دخول الأراضي السودانية، دون أن يتم ذلك في إطار مشاورات مؤسسية أو تنسيق مسبق مع الجهات الوطنية ذات الاختصاص.
ينطوي هذا الرفض على عدد من الآثار السلبية، أبرزها حرمان السودان من فرصة وطنية للمساهمة في سرد رواية متوازنة حول ما يجري على الأرض، وترك الساحة مفتوحة أمام الروايات الخارجية وحدها، لا سيما تلك التي تعتمد على شهادات اللاجئين أو مصادر غير رسمية.
ويؤدي ذلك إلى فجوة في التوثيق ويضعف الحجة الوطنية في المحافل الدولية، كما قد يُظهر الدولة وكأنها ترفض الشفافية أو تتجاهل الانتهاكات المرتكبة بحق مواطنيها، الأمر الذي يعزز من عزلتها الدولية ويضعف موقفها في قضايا المساءلة والعدالة وطلب الدعم الإنساني واللوجستي.
من هذا المنطلق، فإن تبني خيار التعاون المشروط والواعي مع البعثة، ضمن تفاهمات تحفظ المصالح الوطنية، يمكن أن يحقق مكاسب استراتيجية وأخلاقية جوهرية. فالتعاون لا يعني بالضرورة التسليم الكامل للآليات الدولية، بل يمكن أن يتم في إطار رقابة وطنية صارمة وتنسيق مؤسسي، بما يعكس التزام السودان بالقانون الدولي ويؤكد إرادته السياسية في التصدي للانتهاكات ومحاسبة المتورطين بغض النظر عن مواقعهم أو انتماءاتهم. كما يعزز ذلك من ثقة المجتمع الدولي في الدولة السودانية بوصفها شريكاً فاعلاً في مسار العدالة.
ويكسب هذا التعاون أهمية مضاعفة في ظل الواقع الميداني الحالي، حيث أحرزت القوات المسلحة السودانية تقدماً ملحوظاً على الأرض، وتمكنت من القضاء على جزء كبير من قوات الدعم السريع المتمردة، التي وثقت منظمات متعددة ضلوعها في انتهاكات جسيمة بحق المدنيين شملت القتل خارج القانون، النهب، العنف الجنسي، والاستهداف العشوائي للأحياء السكنية.
وهو ما يعزز من موقف الدولة حال قررت التعاون مع البعثة، ويمكنها من تقديم سرديتها الرسمية بدلاً من أن تترك المجال مفتوحاً للروايات الأخرى فحسب.
وتجدر الإشارة إلى أن تجربة بعثات تقصي الحقائق الدولية الأخرى، كما في حالة البعثة المعنية بجمهورية إيران الإسلامية، أظهرت أن تمديد الولاية قد يتم لأكثر من مرة تبعاً لتطور الوضع الميداني ومدى التعاون الوطني مع الآليات الأممية. وعليه، فإن احتمالية تجديد ولاية بعثة السودان لما بعد أكتوبر 2025 تظل قائمة، ما يستدعي استباق الأحداث من خلال مراجعة الموقف الرسمي الحالي، والبحث الجاد عن سبل للتعامل الذكي والمهني مع هذه الآلية الدولية، بما يخدم العدالة والمصلحة الوطنية العليا.
إن تجاهل هذه الفرصة أو التعاطي معها من منطلقات سياسية أو أيديولوجية لا يخدم الضحايا ولا يدعم جهود بناء دولة القانون، بل يُكرس واقع الانقسام، ويؤخر الاستحقاقات الضرورية للعدالة والاستقرار. وفي ظرف بالغ التعقيد كهذا الذي يمر به السودان، فإن اتخاذ قرارات متسرعة أو أحادية من طرف مؤسسات تنفيذية يُعد خللاً في آليات الحكم، ويحد من فرص الوصول إلى حلول مستدامة.
إن مراجعة الموقف الرسمي من بعثة تقصي الحقائق، والنظر بجدية في سبل التعاون المشروط معها، لم يعد مجرد إجراء قانوني أو دبلوماسي، بل ضرورة وطنية وأخلاقية تعكس مسؤولية الدولة تجاه مواطنيها، وتُجسد التزامها بمبادئ العدالة والشفافية والمحاسبة، واحترام حقوق الإنسان في جميع الظروف.




