
ضياء الدين بلال: شكرا عادل، ولكن..
-١-
في بداياتنا الصحفية، كنا نجد في منزل أستاذنا الراحل سيد أحمد خليفة وحرمه الحاجة سكينة في السجانة — رحم الله روحيهما — ملاذاً أسرياً رحباً ومأوى ودّياً دافئاً.
وفي مكتب الأخ الأكبر والصديق الخلوق عادل سيد أحمد، كانت تدور النقاشات السياسية والصحفية، ونتعرّف من خلالها على رموز المجتمع الخرطومي.
كانت سيارة عادل البيضاء تقلّنا إلى المناسبات الاجتماعية والسياسية، وتكفينا عناء المواصلات وزحامها.

وفي المساء، كنا نجتمع بصحبة أستاذنا الراحل، صاحب صحيفة الوفاق، المرحوم محمد طه محمد أحمد، ومعه الحاج وراق والطاهر حسن التوم وناصف صلاح الدين وآخرين، على مائدة عشاء متواضعة في حيّ القوز، بمطاعم أسرية بسيطة، لكن بطعام شهيّ ودفء إنساني نادر.
فرّقت بيننا الأيام والسنوات والموت والجغرافيا والمواقف.
-٢-
ومنذ رحيل “أبو السيد” و”حاجة سكينة”، فترت علاقتي بعادل واقتصرت على لقاءات عابرة في المناسبات.
في المقابل، تقوّت صلتي بشقيقه الأكبر الأستاذ يوسف، والدكتور أمير، اللذين ظلّا مثالاً للنبل والكرم.

خلال احتجاجات سبتمبر، والثورة المجتمعية ضد نظام الإنقاذ، كان موقفي واضحاً؛ لم أكن أميل إلى التغييرات الثورية الفورية غير المأمونة العواقب.
كنت أرى، وأكتب، أن السودان بلد هشّ أمنياً وسياسياً واجتماعياً واقتصادياً، وأن كل شيء فيه قابل للكسر، وأن الأفضل — لصيانة تماسكه الوطني — أن يكون الإصلاح لا الثورة هو طريق التغيير.
-٣-
في آخر لقاء للرئيس السابق عمر البشير مع الإعلاميين بمقر إقامته في بيت الضيافة، أُتيحت لي وبعض الزملاء فرصة الحديث.
قلت له:
ما يحدث حالة مجتمعية، فالمشروع الذي كنتم تدافعون عنه في توريت وكبويتا، أصبحتم اليوم بحاجة إلى الدفاع عنه داخل بيوتكم!
وكانت تلك إشارةً إلى مشاركة عدد كبير من أبناء وبنات قيادات الإسلاميين في الاحتجاجات.
ونبّهته إلى خطورة الخطاب الاستعلائي الذي يُحوّل المناصرين إلى محايدين، والمحايدين إلى معارضين، والمعارضين إلى أعداء.
وختمت حديثي له بالقول:
كن قائداً للتغيير، لا هدفاً له.
وربما لو أخذ البشير بتلك النصيحة في وقتها، وقاد التغيير بنفسه، وامتنع عن الترشح في انتخابات 2020، وفتح الطريق لمرحلة انتقالية متفق عليها مع القوى السياسية المعارضة، لَحُفِظت دماء الشباب، وأُبقي على أمن البلاد ومستقبل الأجيال، وحُفظت فرص حزبه في البقاء.
ولفُتِح الطريق أمام تداول سلمي يرسّخ قيم البناء الديمقراطي على قاعدة مستقرة.
لكن البشير — مثل كثير من القادة قبله — اختار الطريق الخطأ.
مضى مغلق العينين والأذنين، محتفظاً لنفسه بهامش مناورة على شفا جرفٍ هارٍ، فكان السقوط داوياً ومُذلاً.
-٤-
كان عادل في تلك الفترة من أنصار التغيير الثوري، مستخفاً بالعواقب، رغم أنه كان قبل سنوات من دعاة التوافق الوطني.
كتب عدة مقالات يهاجم فيها موقفي، مع الثناء على شخصي، مؤكداً — بحكم معرفته بي — أنني لا أنتمي فكرياً أو سياسياً إلى الإسلاميين.
لم أرغب في الرد عليه رغم غضبي من مقالاته، حفاظاً على ما بيننا من عشرة طيبة ورفقة قديمة، خشيت أن تجرّنا إلى مستنقع المهاترات.
-٥-
عقب حرب العدوان على الدولة السودانية في 15 أبريل، وعلى غير عادتي في الابتعاد عن خطوط التماس بين القوى السياسية والعسكرية، وجدت أن الحياد لم يعد موقفاً أخلاقياً ولا وطنياً يناسب الظرف التاريخي والتحدي الوجودي.
فقررت، وبكامل إرادتي، الانحياز التام للدولة ومؤسساتها، وفي مقدمتها الجيش كمؤسسة وطنية، لا كأفراد أو قيادات، وللمجتمع الذي تضرر من جرائم المليشيا المتوحشة.
اختار عادل أن يساير ما أسميتهم “الديمقراطيين الكذبة” و”المدنيين المزيفين”، بخطاب متماهٍ مع المليشيا وكفيلها.
-٦-
وليعلم أخي عادل — وغيره — أنني لست مع استمرار هذه الحرب اللعينة، ولكنني أقف ثابتاً مطمئن القلب مع خيار رد العدوان والدفاع عن النفس والدولة ومؤسساتها، رغم ما بها من عيوب قابلة للإصلاح.
أقف ضد إعادة المليشيا إلى المعادلة العسكرية، وضد منحها فرصة لتحويل جرائمها إلى مكاسب سياسية واقتصادية.
وأقف كذلك ضد منح من أسماهم صديقي العزيز فوزي بشرى “المدنيين المزيفين” و”الثورجية الانتهازيين” حق احتكار التمثيل المدني والعودة إلى السلطة برافعة القوى الغربية وحماية بندقية المليشيا.
-٧-
نعم، أنا مع الحلول السودانية السلمية المدعومة خارجياً، شريطة ألا تكون مشروطة بوصاية أو أجندة غير حميدة .





