المقالات

مكي المغربي: المساومة بالأنسولين أم بالتمرين؟

متابعات | تسامح نيوز 

مكي المغربي: المساومة بالأنسولين أم بالتمرين؟

مكي المغربي

تتراوح الآراء في التعليق على بيان مجلس الأمن والدفاع السوداني في الأسبوع الأول من نوفمبر 2025 بغرض التعامل مع ضغوط ما يسمى بالرباعية أو “مقترح مسعد  بولس“، بين الحديث عن اللغة أو المضمون، وربط ذلك بحدوث مفاوضات أو مشاورات غير معلنة، واعتبارها مناقضة لرفض الهدنة، أو العكس؟ وهل ضاعت فرصة السلام أم بدأت مرحلة جديدة؟

لا أحد ينكر أن المساومة والمفاوضات بل والتنازلات حاضرة في السياسة الخارجية، خاصة في حالة الخروج من الضعف للقوة ولكن تختلف المناهج في التفاوض إلى اثنين، منهج التبعية للخارج ومنهج الانطلاق من الداخل. وقبل الشرح نضرب مثالا لتقريب الفهم؛ في بدايات مرض السكري من النوع الثاني، ينصح الطبيب بالرجيم والرياضة اليومية،

مكي المغربي: المساومة بالأنسولين أم بالتمرين؟

ولو المشي أو التمرين في البيت، وربما القليل من الأدوية أو مجرد فايتمينات، ولا يكون المريض بحاجة إلى الحقن بالإنسولين، وقد يستمر هكذا بقية عمره. لكن حين يُفرط المريض في (أكل الباسطة) والخمول والتبطل، ويُهمل نمط حياته، يُرهق البنكرياس حتى يكسل من إفراز الإنسولين، فيضطر إلى الاعتماد على الإنسولين الخارجي،

وعندها سيتعطل إفرازه الطبيعي لأن الجسم اذا استقبل الأنسولين من الخارج يتعطل الإفراز في الداخل تلقائيا وعندها يصبح المريض أسيرا للحقن بقية عمره. وهكذا الدول في سياستها الخارجية: من يعتمد على ذاته وعزيمته ويرمم توازنه بنظامه الداخلي، ومن يفرّط ويستعجل الاعتماد على الخارج يُرهق قواه الذاتية ويفقد مناعته ووظائف أعضاءه الطبيعية.

أولا: التفاوض وفق منهج التبعية — «منهج البداية بالمطالب الخارجية»

هذا المنهج يبدأ من الخارج: يتم تبني الخيارات على ما يريده الطرف الخارجي، ثم تأتي خطوة تليين المقاومة الداخلية له تدريجياً أو كسرها إذا لزم الأمر وذلك باتهامها برفض السلام والاستقرار. أحياناً، حين يستعصي تمرير مطلب خارجي في الداخل، ييمنح الخارج المفاوض الداخلي المساحة لاظهار قوة داخلية ترفض نقاط محددة متفق عليها سرا، ثم تقبل بتوافق جزئي، ويكون هذا بغرض التعويض الخطابي والدعائي، لكن الأساس يبقى أن الإرادة مُستمدة من الخارج. هو منهج التنازلات المبرمجة: تُقدَّم تنازلات صغيرة وكبيرة بحسب ما يتطلبه الضمان الخارجي، وتكون المفاوضات لتليين أوكسر الداخل.

ثانيا: التفاوض وفق منهج الانطلاق من الذات — «منهج البداية بالأجندة الوطنية»

هذا المنهج يبدأ من الداخل: تُجمَع المطالب الوطنية وتصاغ أجندة موحّدة، ثم يُقوَّى هذا الأساس داخلياً لتتم مواجهة الخارج. المساومة ستكون موجودة، لكنها تأتي بعد تقوية الأجندة الوطنية، تُمنَح التنازلات فقط بعد استنفاد سُبل المواجهة والتعبئة، وتكون الخسائر الداخلية محدودة ومُحسوبة، واهم شيء الاحتفاظ بالرفض الداخلي للتنازلات لنزع الشرعية عنها والغاء حالة التطبيع النفسي مع الاستسلام.

الفارق العملي بين المنهجين (في عبارة واحدة)

التبعية تعني: قرارات مأخوذة من الخارج (مع) المساومة بتليين الداخل.

الانطلاق من الذات يعني: قرارات داخلية (مع) مساومة لاحقة للخارج فقط بعد استنفاد القوة الوطنية.

مكي المغربي: المساومة بالأنسولين أم بالتمرين؟

تسلسل الزمني في السودانال:

دخل منهج التبعية بجرعات مخففة في العقد الأخير من نظام الانقاذ منذ 2010 ، وكان في بداياته خيارات فردية تتغلغل استخباريا في مراكز صناعة القرار أو شخصيات يتم استخدماها كقنوات تواصل سري مع الخارج أو مصادر مزدوجة لرصد أدوات الخارج في الداخل. أما في عهد قحت بعد 2019 بلغ هذا المنهج ذروته، وأدى إلى قبول سياسات أدخلت السودان في (المخطط العدواني الاستيطاني) في حرب أبريل 2023 و تحولت الأدوات والمصادر التي حكمت في عهد قحت ومن اختار الذهاب معهم إلى أذرع سياسية للمخطط تطالب الداخل بالرضوخ له ثمنا للسلام.

لكن، بعد الثبات القتالي والالتفاف الشعبي حول الجيش، وبعد مقاومة عنيفة اعادت مركز الثقل السياسي للداخل بل ولاعمق نقطة فيه ترنح (منهج التبعية)، وانهار لصالح (منهج الانطلاق من الذات) حيث يتم صياغة الأجندة الوطنية جماعيا، ويُحدَّد هامش المناورة والتفويض وآليات المراجعة داخلياً.

آخر تحديث: الخارج شرع في اعادة حساباته وسيبدأ بالتخلّص من الأدوات والشخصيات التي كانت مفيدة مع منهج التبعية، إلا إذا نجحت تلك الأدوات والشخصيات في التحول لصالح المنهج الجديد. بالتأكيد المساومة والمرونة باقية والمفاوضات متوقعة بل مؤكدة، لكن المنطلق تغير تماماً، لا يجوز لأي فرد أو جهة أن تنفرد بهذا الأمر لتتلقى مطالب الخارج وتحاول تليين أو شيطنة مقاومة الداخل، أو تضليل الرأي العام بوعود كاذبة، لقد تم الغاء هذه الوظيفة، والاعلان عن وظائف أخرى، ذات صلة بالمواجهة والمساومة كل حسب مهاراته، وعلى السياسيين والناشطين التواصل مع الحكومة السودانية للتقديم للادوار الجديدة.

خلال الفترة الأخيرة، بعض القنوات الغربية والأمريكية التي كانت تتعامل -حصريا- مع رموز منهج التبعية بدأت تغيّر وجهتها بلقاءات موازية غير مباشرة، وصارت تستمع لغيرهم بإصغاء واحترام، حتى بات واضحاً لي أن هناك إدراكاً جديداً عندهم وهو أن — منهج الانطلاق من الذات — هو الذي بات يعكس الطرف الأقوى في المعادلة الداخلية وأن المساومة يجب أن تكون معه.

لن يلغي هذا دور دعاة التبعية، ولكن يتغير دورهم إلى أدوات وكروت ضغط وربما الأسوأ بسبب الواقع الذي يشهد انتشار السلاح، قد يستخدمهم الخارج ضحايا وكباش فداء وأيقونات الحرب على التطرف، ولتصفية الملفات العالقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى