السفير/ رشاد فراج الطيب: مع سلوك اليمين في أمريكا وإسرائيل..أصبح العالم أقل أمنا
متابعات | تسامح نيوز

السفير/ رشاد فراج الطيب: مع سلوك اليمين في أمريكا وإسرائيل..أصبح العالم أقل أمنا
لم يعد السلوك العدواني لحكومات اليمين الصهيوني المتطرف في كلٍّ من الولايات المتحدة وإسرائيل مجرد انحراف عابر في السياسات الخارجية ، بل تحوّل إلى نهجٍ متكامل يقوم على منطق القوة ، وازدراء القانون الدولي ، وتقويض قواعد النظام العالمي التي تشكّلت عقب الحرب العالمية الثانية .
هذا السلوك ، بما يحمله من نزعات أيديولوجية إقصائية وتصورات فوقية للعالم ، أسهم بصورة مباشرة في جعل البيئة الدولية أكثر هشاشة ، وأقل قابلية للاستقرار ، وأكثر قابلية للانفجار .
في الحالة الإسرائيلية ، تجسّد اليمين المتطرف في سياسات الاحتلال الصريحة التي لا تعترف بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني ، وتقوم على فرض الوقائع بالقوة ، سواء عبر التوسع الاستيطاني المنهجي في الضفة الغربية والقدس ، أو عبر تقويض أي مسار سياسي يمكن أن يقود إلى حل الدولتين .

فسياسات الاستيطان ، المصحوبة بالعنف المنظم من قبل المستوطنين ، لم تعد مجرد خرق للقانون الدولي ، بل أصبحت أداة لإعادة هندسة الجغرافيا والديموغرافيا ، بهدف إنهاء الوجود السياسي الفلسطيني وتحويله إلى مسألة إنسانية بلا أفق سيادي .
أما الحصار المفروض على قطاع غزة ، وما رافقه من سياسات تجويع جماعي ومنع للغذاء والدواء والوقود ، فقد شكّل أحد أكثر النماذج فجاجة لانتهاك القانون الدولي الإنساني .
إذ لم يعد الحصار إجراءً أمنياً كما يُروَّج له ، بل سياسة عقاب جماعي ممنهجة ، تُستخدم فيها المعاناة الإنسانية كسلاح سياسي ، وتُبرَّر تحت ذرائع أمنية فقدت أي سند قانوني أو أخلاقي .
وقد تعزز هذا النهج خلال الحروب المتكررة على غزة ، حيث جرى استهداف البنية التحتية المدنية ، والمستشفيات، ومخيمات النزوح ، في سلوك يرقى إلى جرائم جسيمة بحق المدنيين ، ويكشف عن عقلية لا ترى في القانون الدولي سوى قيد يجب تجاوزه .
هذا السلوك الإسرائيلي ما كان له أن يستمر بهذه الدرجة من التمادي لولا الغطاء السياسي والعسكري الذي وفرته له الإدارات الأمريكية اليمينية ، وعلى رأسها إدارة دونالد ترامب ، التي مثّلت ذروة الانفصال عن منظومة القانون الدولي .
فقد شهدت تلك المرحلة تجاوزات خطيرة ، تمثلت في الانحياز المطلق لإسرائيل ، والمشاركة المباشرة في حرب غزة سياسيًا وعسكريًا ، وتوفير الدعم الاستخباري واللوجستي الذي مكّن إسرائيل من الاستمرار في سلوكها العدواني دون خشية من المساءلة.
وفي السياق ذاته ، برزت سياسات أمريكية غير مسبوقة في التعامل مع دول ذات سيادة مثل ايران ، وكما في الحالة الفنزويلية ، حيث جرى التلويح باستخدام القوة ، وفرض حصار اقتصادي خانق ، والتدخل المباشر في الشأن الداخلي ، وصولًا إلى اختطاف رئيس دولة عضو في الأمم المتحدة ، في سابقة خطيرة تضرب جوهر مبدأ السيادة وعدم التدخل
ولم تقتصر هذه النزعة على فنزويلا ، بل امتدت إلى التهديد بضم أو السيطرة على أقاليم تابعة لدول أخرى في امريكا اللاتينية وجزيرة قرينلاند ، وابتزاز دول الخليج أمنيًا واقتصاديًا ، والتعامل مع أوكرانيا كأداة في صراع جيوسياسي مفتوح وسرقة مواردها المعدنية مقابل ابرام تسوية مهينة لحربها مع روسيا ، بعيدًا عن منطق الحلول السياسية المستدامة والعادلة.

الأخطر من ذلك أن هذا اليمين المتطرف لم يكتفِ بتقويض سيادة الدول ، بل اتجه بصورة منهجية إلى إضعاف مؤسسات العدالة الدولية ، وعلى رأسها المحكمة الجنائية الدولية ، عبر فرض العقوبات والتهديدات على قضاتها وموظفيها ، في محاولة مكشوفة لتجريدها من استقلالها وردعها عن ممارسة ولايتها القانونية إلا علي الدول المغضوب عليها .
كما جرى تسفيه الأمم المتحدة ، وتقليص دورها ، وحرمانها من أدوات الفعل ، سواء عبر تعطيل قرارات مجلس الأمن ، أو تقويض تمويل وكالاتها ، أو التعامل معها باعتبارها عائقًا أمام “الحرية المطلقة” لاستخدام القوة .
ولم تسلم أوروبا بدورها من تداعيات هذا النهج ، إذ وجدت نفسها أمام حليف أمريكي يتنصل من المعاهدات والاتفاقيات الدولية ، ويُضعف منظومة التحالفات التقليدية ، ويحوّل القارة إلى ساحة توتر دائم ، سواء عبر عسكرة الأزمات أو فرض خيارات استراتيجية قسرية لا تراعي المصالح الأوروبية ولا استقرار النظام الدولي .
إن الخطر الحقيقي في صعود اليمين المتطرف ، في أمريكا وإسرائيل على السواء ، لا يكمن فقط في أفعال محددة ، بل في الفلسفة التي تحكم هذه الأفعال ؛ فلسفة ترى في الهيمنة حقًا ، وفي القوة معيارًا وحيدًا للشرعية ، وفي القانون الدولي عائقًا لا إطارًا ناظمًا .
وهي فلسفة تهدد الأمن والسلم العالميين ، لأنها تفتح الباب أمام شريعة الغاب ، وتغري قوى أخرى بالسير في الاتجاه ذاته ، بما يحوّل العالم إلى فضاء مفتوح للصراعات غير المنضبطة .
من هنا ، تبرز مسؤولية كل دول المجتمع الدولي في أن يتوحد ، لا على أساس الاصطفافات الأيديولوجية أو المصالح الضيقة ، بل على أساس رفض سياسات الاحتلال والهيمنة ، ورفض تهديد سيادة الدول ، ورفض إرهاب الدول وازدرائها بسبب اختلاف السياسات أو الأديان أو المصالح .
فالعالم لا يمكن أن يكون أكثر أمنًا في ظل منطق الإقصاء والتفوق ، ولا يمكن للنظام الدولي أن يصمد إذا استُبيحت قواعده من قبل من يفترض أنهم حراسه
إن احترام القانون الدولي ومؤسساته ، والالتزام بالمعاهدات والاتفاقيات الدولية ، وصون سيادة الدول ، وترسيخ مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان ، ليست شعارات أخلاقية ، بل شروط أساسية لبقاء العالم ضمن حدٍّ أدنى من الاستقرار .
وأي تهاون في مواجهة اليمين المتطرف ، أياً كان موقعه ، إنما يعني القبول بعالم أكثر فوضى ، وأقل عدالة ، وأشد قابلية للانفجار .
السفير/ رشاد فراج الطيب
كاتب في العلاقات والتحولات الدولية





