المقالات

د. ياسر محجوب الحسين: تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٥)

متابعات_تسامح نيوز

امتدادا لذلك الخيط الهادئ الذي بدأته في الأسابيع المنصرمة، حيث كانت الأمواج الناعمة تلامس شاطئ الصحافة لا لتُحدِث ضجيجا، بل لتترك أثرها المتدرّج، تأتي الحلقة (٥) من هذه السلسلة استكمالا للمسير لا تكرارا له. فهي ليست استدعاءً للماضي من باب الحنين، وإنما قراءة واعية لأثرٍ ظل يتشكّل بصبر، مثل موج ناعم يعرف طريقه إلى الصخر فيترك فيه علامته دون عنف.

هذه السلسلة، في جوهرها، ليست سوى محاولات إنصاف؛ نصوصٌ تمضي على مهل، تلتقط التفاصيل الصغيرة التي صنعت الفارق، وتمنح الضوء لأولئك الذين اشتغلوا في المسافة الفاصلة بين الواجب والشغف، بعيدا عن الأضواء المباشرة. هي شهادات تُكتب بمداد التجربة، لا لتقديس الأشخاص، بل لتثبيت المعنى.

وفي هذه الحلقة، نفتح نافذة أخرى على وجوهٍ من جنود القلم، ممن أدّوا أدوارهم بصمت، وحرسوا المهنة بالوعي والالتزام، فكان حضورهم عميقًا وإن بدا هادئًا، وأثرهم باقيًا وإن لم يطلبوا له تصفيقا.

 

حسين خوجلي

لو كان ثمة وصفٌ يُجسِّد الشمول المهني المتكامل، لكان الأستاذ حسين خوجلي أحقَّ الناس به. فقد جمع بين الناشر والصحفي، لا في حقلٍ واحد، بل في فضاءاتٍ إعلامية متنوعة؛ صحفيٌّ متخصّص في الأدب والثقافة والسياسة والاقتصاد، وله إلمامٌ حتى بالرياضة. ولم يقف عطاؤه عند حدود القلم، بل كان صاحب مشروعٍ إعلامي متكامل.

فهو، إلى جانب كونه ناشر صحيفة ألوان الشهيرة، التي بزغ نجمها منذ عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري (٦٩ – ١٩٨٥)، مضى في عهد الإنقاذ إلى تأسيس قناةٍ تلفزيونية وإذاعة FM، في مغامرة إعلامية جريئة لم يقدم عليها كثيرون. ولم يبخل حسين على مؤسساته من حرّ ماله؛ ولو أنه وجّه استثماراته إلى الأسهم أو بورصة الذهب، لكان اليوم من الأثرياء المعدودين على أصابع اليد. لكنه، على خلاف ذلك، عشق مهنة الصحافة حتى النخاع، ومنحها من فكره وجهده وماله ما لم يمنحه لها أحد.

كانت أولى محطاتي في الصحافة، بعد تجربة صحفيك طلابية، صحيفة ألوان، حيث نهلت من معين أساتذية حسين، وعضدت تجربتي الصحفية الحديثة. ومن مواهب حسين، على سبيل المثال لا الحصر، تلك القدرة الفذة على توظيف اللحظة وصناعة العنوان.

ففي النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي، وبينما كان منغمسا في ترتيب الصفحة الأولى والمانشيت السياسي الرئيس، جاءت بروفة الصفحة الرياضية لإجازتها. كانت هناك مباراة ساخنة بين قطبي الكرة السودانية، الهلال والمريخ، انتهت بفوز المريخ بهدفٍ دون رد، وسط احتجاجات جماهير الهلال على التحكيم، التي أوقفت المباراة لفترة بعد استخدام الحجارة. وكان العنوان الرياضي تقليديا:

(في مباراة ساخنة: المريخ يهزم الهلال 1–0).

لكن حسين، بحسّه الصحفي الخلّاق، غيّر مسار المانشيت من سياسي إلى رياضي بصبغة سياسية وكان نادرا ان يحتل مانشيت رياضي صدر الصفحة الأولى لصحيفة سياسية. ففي ذلك الوقت كانت انتفاضة الحجارة في فلسطين في ذروتها، وبما أن الهلاليين يطلقون على المريخابيين لقب “الصهاينة” نسبة لاستخدامهم النجمة شعارا — رغم كونها خماسية لا سداسية — صاغ حسين مانشيتا بديعا كتبه على هذا النحو: (الصهاينة يُحبطون ثورة الحجارة).

هكذا ظل حسين خوجلي: صحفيّا يقرأ الحدث، ويصنع الدلالة، ويحوّل العنوان إلى موقف.

متعك الله بالصحة والعافية، أستاذنا حسين خوجلي.

 

محاسن الحسين

هي صحفية هادئة الطبع، رفيقة الصبر، عميقة المثابرة، تمتلك خبرةً طويلة ومتراكمة في وكالة السودان للأنباء (سونا)، صقلتها السنوات ومنحتها حكمة الأداء واتزان الموقف. لم تكن من أصحاب الضجيج، بل من أولئك الذين ينجزون في صمت ويتركون أثرهم واضحًا لا يخطئه النظر.

برزت كنقابية من الطراز الرفيع، وظلت حاضرة بفاعلية في كل دورات الاتحاد العام للصحفيين السودانيين على مدى العقدين الأخيرين، حضورا ثابتا ومسؤولا، لا تغيب فيه الهمة ولا يفتر فيه العطاء. ويُنسب إليها، بحق، القدر الأكبر من الجهود المضنية التي أثمرت مشروعات الإسكان الخاصة بالصحفيين؛ فكانت مع نفر كريم – الراحل محي الدين تيتاوي والفاتح السيد – وراء قيام مدنٍ كاملة تحمل اسمهم: في الوادي الأخضر بالخرطوم بحري، وأم درمان الحارة (100)، ومنطقة الصفوة غرب أم درمان.

ما من زميلٍ صحفي تعقّدت إجراءات استحقاقه السكني، إلا ووجد عندها قلبا رحبا، ويدا صادقة، وسعيا دؤوبا لا يعرف الملل حتى تُحل الإشكالية. لذلك لا تُذكر محاسن إلا مقرونة بالخير، ولا يُستحضر اسمها إلا مقرونا بالامتنان.

وبعملها الصادق، وحرصها النبيل، نسجت شبكة علاقات متينة، يسودها الاحترام والتقدير، مع كبار مسؤولي وموظفي وزارة الإسكان بولاية الخرطوم، فكانت جسراً من الثقة، وصوتا أمينا للصحفيين، ووجهًا مشرفا للنقابة والمرأة السودانية معا.

 

محمد لطيف

صاحب أحد أشهر التحليلات السياسية وأكثرها حضورا وتأثيرا؛ تحليلٌ استوفى شروط العمق والإقناع، واتسم بدرجةٍ عالية من الحياد والموضوعية، سواء جاء مكتوبا على صفحات الصحف، أو منطوقًا عبر الشاشات التلفزيونية. لم يكن تحليله انطباعيا أو عابرا، بل قائمًا على قراءة دقيقة للسياق، وربطٍ محكم بين الحدث وجذوره ومآلاته.

امتلك لطيف قدرةً استثنائية على التموضع مع الأنظمة الحاكمة على اختلاف مشاربها، من اليسار إلى اليمين، مرورا بالوسط، دون أن يفقد هويته المهنية أو يفرّط في أدواته التحليلية. فكان قريبا من دوائر القرار، ومطّلعا على ما يدور في الكواليس، دون أن يتحول إلى بوقٍ سياسي أو خصمٍ أيديولوجي أعمى.

ظل يحتفظ بمصادره مع كبار السياسيين، في أعلى الهرم السياسي والتنفيذي حتى أولئك الذين يختلف معهم فكريا أو يتباين معهم في الرؤى، مستندا إلى احترامٍ متبادل، وثقةٍ بناها عبر سنوات من المهنية والاتزان. وتميّز بقدرة نادرة على إذابة الجليد بينه وبين مخالفيه، فيحوّل الخلاف إلى حوار، والتباين إلى مساحة تواصل.

ظل حريصا على الإمساك بـ«شعرة معاوية» بينه وبين الجميع؛ شعرةٌ قد تقوى حين تهدأ الرياح، وتضعف حين تحتدم العواصف، لكنها لا تنقطع، مهما تبدّل الطقس السياسي أو اشتدّت الاستقطابات. وهكذا ظل محمد لطيف محللا يُستمع إليه، لا لأنه يرضي الجميع، بل لأنه يحترم عقل المتلقي، ويُجيد السير في حقول السياسة الشائكة بثباتٍ وحكمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى