المقالات

د ياسر محجوب الحسين : الخرطوم تتعافى… لكنها بكماء يا جابر

متابعات | تسامح نيوز 

د ياسر محجوب الحسين : الخرطوم تتعافى… لكنها بكماء يا جابر

د. ياسر محجوب الحسين

مع عودة نبض الحياة تدريجياً إلى شوارع الخرطوم، بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب الدامية، تبدو العاصمة وكأنها تلتقط أنفاسها الأولى. صحيح أن التعافي يجري ببطء، لكنه يستند إلى جهود مخلصة وخطوات ملموسة؛ فقد عادت الحكومة إلى مقرها في الخرطوم مطلع يناير الجاري، وانطلقت حملات إزالة الأنقاض، وبدأت إعادة فتح الوزارات وتأهيل بعض الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه. وتشير تقارير منظمات دولية إلى توقع عودة نحو مليوني مواطن إلى المدينة بحلول نهاية العام، مع وعود رسمية بإعادة بناء المستشفيات والمدارس.

د ياسر محجوب الحسين : الخرطوم تتعافى… لكنها بكماء يا جابر

لكن، وبرغم كل ذلك، تبقى الخرطوم اليوم بكماء، تفتقد صوتها الأصيل الذي كان يخترق الجدران، ويطرق أبواب البيوت في كل أنحاء السودان: إذاعة أم درمان.

فلا يبدو أن إعمار هذه المؤسسة الوطنية العريقة يحتل موقعاً متقدماً في سلم الأولويات، رغم أنها تمثل ركناً أساسياً في إعادة بناء الإنسان قبل البنيان. فما زالت كوادرها متفرقة كأيدي سبأ، بين عطبرة وبورتسودان، بعد أن نُقل النشاط الإعلامي الحكومي خلال سنوات الحرب، دون رؤية واضحة لإعادة تجميعه في مقره الطبيعي.

تأسست إذاعة أم درمان عام 1940، في خضم الحرب العالمية الثانية، كأداة لنشر الأخبار في السودان المستعمر. غير أنها ما لبثت، بعد انتهاء الحرب، أن تحولت إلى منبر ثقافي واجتماعي، يبث الموسيقى والدراما والبرامج الترفيهية، ويسهم في تشكيل الوعي الجمعي. ومع فجر الاستقلال عام 1956، أصبحت الإذاعة رمزاً للوحدة الوطنية، تنقل صوت الثورات والتحولات السياسية، وتربط بين أقاليم السودان المتباعدة ثقافياً وجغرافياً.

وعلى مدى العقود، لعبت الإذاعة دوراً محورياً في تعزيز اللحمة الوطنية، لا سيما في أوقات الأزمات، حين كانت المصدر الأكثر موثوقية لنقل الأخبار العاجلة وتشجيع الحوار العام. كما حفظت الذاكرة السودانية من خلال برامج موسيقية وأدبية وثائقية عكست التنوع الإثني واللغوي، حتى غدت بحق “مرآة الشعب”، كما وصفها المثقفون.

أما تلفزيون السودان، الذي تأسس في ستينيات القرن الماضي كامتداد طبيعي للإذاعة، فقد أضاف البعد البصري لهذا الدور. فكان منبراً للتعليم والتثقيف، ونافذة للأحداث الوطنية الكبرى، من انتخابات واحتفالات رسمية، وصولاً إلى نقل الفنون الشعبية. ومعاً، شكّل التلفزيون والإذاعة أحد أهم ممسكات الوحدة الوطنية، إذ وصلا إلى مناطق نائية لا تبلغها الصحف ولا تغطيها شبكات الإنترنت.

خلال الحرب الأخيرة، تحوّل مقر الإذاعة والتلفزيون في أم درمان إلى ساحة قتال. سيطرت عليه مليشيا الدعم السريع في بدايات الصراع، وتعرض لنهب واسع، حيث بيعت المعدات في سوق ليبيا بثمن بخس دراهم معدودة. لكن في مارس 2024،

استعاد الجيش السيطرة على المقر بعد معارك عنيفة، لكن حجم الدمار كان فادحاً: توقفت أكثر من عشر إذاعات وطنية عن البث، وفُقد جزء كبير من الأرشيف التاريخي، بما فيه تسجيلات نادرة لا تُقدّر قيمتها التاريخية. ورغم استمرار بعض البرامج من بورتسودان، فإن صوت الدولة لم يصل إلى المناطق المنكوبة الواقعة تحت سيطرة المليشيا في دارفور وكردفان.

د ياسر محجوب الحسين : الخرطوم تتعافى… لكنها بكماء يا جابر
نقابة الصحفيين

مع تفكك عميق في النسيج الاجتماعي هنا، يصبح وجود صوت وطني جامع ضرورة لا ترفاً: لنقل الرسائل الرسمية، والتحذيرات الأمنية، وبرامج التوعية، وبث الأمل وإعادة الثقة بين الدولة والمواطن.

من دون هذا الصوت، تظل الخرطوم بكماء، ويظل السودان مهدداً بالتشظي. ولن تنجح جهود الإعمار، التي تُقدّر تكلفتها بمليارات الدولارات، إذا اقتصرت على إعادة بناء الجدران والطرق. فالإعمار الحقيقي يبدأ بإعادة بناء النفوس، والنفوس تحتاج إلى صوت يوحدها ويخاطبها بلغتها.

إن تسريع إعادة تأهيل الإذاعة والتلفزيون، وجمع الكوادر، واستعادة ما تبقى من الأرشيف، ليس خدمة لمؤسسة بعينها، بل واجب وطني تجاه كل أهل السودان، خصوصاً أولئك الذين ما زالوا عالقين في مناطق الحرب. فعودة إذاعة أم درمان ليست ترفاً ثقافياً، بل شرطاً من شروط شفاء الوطن.

رسالة إلى الفريق إبراهيم جابر رئيس اللجنة القومية لإعادة الإعمار

سيادة الفريق إبراهيم جابر

إن مسؤوليتكم التاريخية في قيادة ملف إعادة إعمار السودان لا تقتصر على الجسور والطرقات والمباني الحكومية، بل تمتد إلى ما هو أعمق وأبقى: إعادة ترميم الوجدان الوطني. وإذاعة أم درمان وتلفزيون السودان كانا – ولا يزالان – من أهم أدوات هذا الترميم

نرجو أن تحتل إعادة إعمار هاتين المؤسستين موقعاً متقدماً في خطط اللجنة القومية، من حيث

إعادة تأهيل المقر في أم درمان

جمع الكوادر الإعلامية المشتتة

توفير الحد الأدنى من البنية التقنية للعودة إلى البث من قلب العاصمة

والعمل على استعادة الأرشيف أو توثيق ما تبقى منه

إن إبقاء هذا الصوت خافتا يطيل أمد الجراح، وعودته تعني أن الدولة استعادت لغتها وقدرتها على مخاطبة شعبها.

الخرطوم بدأت تتعافى، لكنها ما زالت تنتظر من يعيد إليها صوته. فالتاريخ لا يخلّد من أعاد بناء الحجر وحده،

بل من أعاد للوطن صوته وروحه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى