حين تتحول الرقابة إلى وصايا:من يحرس حدود القانون!!؟

متابعات_تسامح نيوز
كتب – خالد عوض عبدالله المحامي
أكتب اليوم ناصحا ليس بصفتي منتميًا لأخطر قطاع من قطاعات الاقتصاد السوداني، فحسب ولكن بصفتي محاميًا… وما أجلّها مهنة؛ كيف لا وأول أولوياتها الدفاع عن الحقوق والحريات، ولعمري ما يبقى الإنسان حيًا بعد أن تُسلب منه حريته ويُسلب منه حقه!!؟
وإذ أنهض بمهنتي، أقف حائط صد عندما تختلط الأدوار في دولة القانون، وتتحول سلطة الرقابة والإشراف من أداة لضمان الانضباط والسير وفق ما ينص عليه القانون إلى وسيلة للوصاية والهيمنة. ومن باب الشفافية مع الرأي العام، فإن اهتمامي بهذا الملف ليس وليد اليوم؛ فقد سبق أن تقدمت ببلاغات وشكاوى قانونية بشأن تجاوزات نُسبت إلى الأمين العام السابق للجهاز القومي للرقابة على التأمين، وانتهت إجراءات رسمية—بحسب ما هو ثابت لدى الجهات المختصة—إلى استرداد ما صُرف من مرتبات ومخصصات قبل صدور قرار تعيينه رسميًا كما لا تزال قضايا اخري منظورة أمام محكمة الفساد لم يُفصل فيها حتى اللحظة. لذلك فإنني أتابع هذا المسار بوصفه شأنًا عامًا يمس الثقة في سوق التأمين وفي فكرة الرقابة نفسها، لا بوصفه خصومة شخصية مع أحد. و لن بجف مداد قلمى الذى كتبت به عدد كبير من المقالات منها سلسلة تم نشرها في عهد الأمين العام السابق للجهاز تحت عنوان ( ياعقلاء بلادي ادركوا قطاع التأمين) وسلسلة حديثا تحت عنوان ( تغيرات ادارات الجهاز القومي للرقابة على التأمين هل ينهى الفساد)
واعود للكتابة مره اخري لما أثار قلقي إزاء القرار الصادر من لأمين العام للجهاز القومي للرقابة على التأمين، والذي يسعى من خلاله إلى تعديل النظام الأساسي واللائحة الخاصة باتحاد شركات التأمين وإعادة التأمين السوداني!!، متذرعًا بمخالفات مزعومة لقانون الرقابة والإشراف على التأمين لسنة 2018 وبعض القوانين الأخرى التي لم يفصلها أو يذكرها نص القرار.
إن أخطر ما في هذا القرار هو ما يؤسس له من سابقة تفتح الباب واسعًا للجهاز—كمثال—للتدخل وتعديل لوائح ونظام أساسي لكيان قانوني مستقل. وعليه ستكون هذه السابقة ذريعةلتسييل وتذويب الحدود الفاصلة بين الرقابة والوصاية، وبين سلطة التنظيم والتسلط أو الهيمنة بمعناها الحرفي والاصطلاحي. ولعمري لن يقف الأمر عند ذلك الحد، بل ربما أضعف هذا السلوك الغريب على الدولة المدنية بمفهومها الحديث، وربما أضعف فكرة العمل المؤسسي برمتها؛ إذ سيفرغ هذا السلوك وهذا القرار الجمعية العمومية للاتحاد من مضمونها، ويُحيلها إلى شكل (هنبول) بلا سلطة أو اختصاص.
إن احترام القانون وتطبيق نصوصه لا يجب أن يكون انتقائيًا، أو بتوسيع نصوصه وتفسير معانيها كيفما تكون الرغبة الإدارية وشهوة السلطوية، أو يكون وليد خصومة شخصية أو موضوعية؛ إنما يكون بالالتزام الحقيقي بسيادة القانون، وعدم التدخل فيما لا يعني، وألا تنصب الإدارة نفسها خصمًا وحكمًافي نفس الوقت.
وسؤال بسيط أودعه في بريد الجهاز القومي للرقابة على التأمين، وآمل أن أجد له إجابة صريحة وعاجلة: من أين للجهاز القومي الاعتراف بالكيان المسمى بالاتحاد وبنظامه الأساسي ولائحته بعد أن أنكر مشروعيته وقانونيته في منصات العدالة (محكمة الاستئناف/ المحكمة العليا)؟
بل لم يفتح الله عليه ولو لمرة واحدة أن يخاطب الاتحاد فيما يتعلق بالقرارات الخطيرة والكبيرة الأخيرة التي اتخذها الجهاز والتي تمس سوق التأمين لا سيما تأمين الطرف الثالث!!؟ واستبدل تلك المخاطبات بمخاطبة الشركات مباشرة، في سابقة خطيرة وفريدة لم يسبقها عليه غيره في أي عهد من عهود الرقابة على التأمين!!؟
إن من سخرية القدر أن تكون مذكرات الجهاز القانونية—والتي أنكرت وجود الاتحاد جملة وتفصيلاً—ما زالت مودعة أمام المحكمة العليا لم يُفصل فيها حتى اللحظة!! فماذا سيكون حال وموقف الجهاز القومي للرقابة على التأمين أمام المحكمة العليا لو قام الاتحاد بإيداع الخطاب المرسل للاتحاد والمتعلق بتعديل النظام الأساسي!!؟
لا شك أن هذا الخطاب سيهز مصداقية الجهاز أمام المحكمة العليا، وسيبرزه—في نظر العدالة والرأي العام—كجهة تمسك العصا من منتصفها، تميل حيث تميل رغباتها وأهواؤها، دون مراعاة لحرمة قانون أو نظم رقابية أو احترام لمبدأ المشروعية. وأخطر من ذلك أنه—في الجوهر—يعيد إنتاج الإشكال ذاته الذي نبهت إليه التجارب السابقة: أن تُدار الملفات العامة بمنطقٍ لا يطمئن إليه الناس، بينما القضايا المرتبطة بالملف ما تزال منظورة ولم يُحسم فيها القول النهائي بعد.
إننا بهذا القرار أمام تحدٍ كبير: إما أن ننتصر لدولة المؤسسات والقانون، أو نفتح الطريق لتغول إداري لا يقف عند حد ولا يعترف بسيادة نص قانوني لا يحتمل التأويل أو التفسير. وأقول في مضمون الخطاب: إن القانون لا يمنح الجهة القائمة على تطبيقه حق الحلول محل الجمعية العمومية، ولا يبيح صياغة أو إعادة صياغة أنظمة داخلية بقرارات إدارية مهما بلغ شأن هذه الجهة؛ لأن القانون لا يُعلى عليه.
إن الادعاء بوجود مخالفة للقوانين لا يبيح انتزاع الاختصاصات الأصيلة من أصحابها (الجمعية العمومية)، إنما باتباع الطرق القانونية السليمة، وهو الرجوع للجمعية العمومية صاحبة الكلمة الفصل والأخيرة في الأمر وليس سواها. والتى اخشي ان تبصم على ما ينوى تعديله باعتبار التعديل يتبناه المسئول الرسمى عن الرقابة والإشراف على الشركات أعضاء الاتحاد. وصيغة الخطاب لتكوين اللجنة نفسها تظهر ذلك.
فالاتحاد باعتباره منظمة من منظمات المجتمع المدني، وإن شركات التأمين لا تقف ملكيتها لدى المساهمين فقط؛ إنما هناك جسم أساسي في شركات التأمين وهم المشتركون أو المكتتبونفي وثائق التأمين، ولهم بالضرورة وفقًا للقانون كلمة مسموعة في الجمعيات العمومية للشركات، وهم أفراد وكيانات المجتمع المدني. فإن الأمر الذي طرحه الجهاز لن يقف بالضرورة عند إدارات شركات التأمين، بل سيتعداه إلى ما وراء ذلك بحكم تكوين شركات التأمين والفلسفة والمبادئ التي يقوم عليها التأمين التعاوني التكافلي الإسلامي في دولة السودان.
ختاما
الرقابة في كل قطاعات الدولة مطلوب منها ان تحرس تطبيق القانون لا ان تتمدد لتفصله على مقاس المسئول
وبالضرورة لنا عودة في هذا الأمر؛ فهو موضوع يفتح جوانب كثيرة للنقاش والعصف الذهني، كما سيكون لنا عودة لمجلس إدارة الاتحاد والجمعية العمومية والشركات الأعضاء.





