
د. ياسر محجوب الحسين: تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (١١)
ما تزال الأمواج الناعمة تلامس رمال شاطئ الزمالة الصحفية، لا على عجل، بل حرص الزمالة، تنقّب في الذاكرة عن صفاتٍ من ذهب، وتستخرج من بين الحصى أسماءً تركت بصمتها عميقة في وجدان المهنة. في هذه السلسلة، نُنصت لخطى صحفيين لعبوا على خشبة المشهد بصمتٍ صاخب، فصنعوا الفرق، وحملوا الصحافة من خانة المهنة إلى مقام الرسالة.
في الحلقة (١١) من «تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية»، تقترب الأمواج من شاطئين متجاورين:
شاطئٍ صاغه العناد المهني ممزوجاً بإنسانية نادرة، حيث تتجلى سيرة ضياء الدين بلال، الصحفي الذي جمع بين دقة المحقق ونُبل الرفيق، وبين الصرامة المهنية ودفء الموقف.
وشاطئٍ آخر تشكّل من صخر الكلمة وماء السخرية الذكية، عند الطاهر ساتي، الكاتب الذي جعل العمود الصحفي منصة مساءلة دائمة، لا تهدأ، ووهب الجدية روحاً خفيفة لا تفقدها حدّتها.
هي حلقة عن مدرستين مختلفتين في الأسلوب، متفقتين في الجوهر:
الانحياز للحقيقة، والإيمان بأن الصحافة، مهما اشتدت عواصفها، تظل الحارس الأمين للوعي العام، والمرآة التي لا تكذب.
في أعماق حقول الجزيرة أرض المحنة، حيث تتنوع المحاصيل كحكايات الأجداد، ينبت ضياء الدين بلال كشجرة سدرة باسقة، تجذّرت في الأرض بالكدّ والموهبة، وتغذّت بنار حبٍ جامح لمهنة الصحافة. كأنما بيت الشعر الخالد:

«ونفسُ عصامٍ سوَّدت عصاماً
وعلَّمته الكرَّ والإقدام»
قد نُحت من روحه نحتاً؛ فهو ذلك الفتى الذي شق طريقه إلى القمم بسعيه الخاص، لا بوراثة ولا بوساطة، بل بإصرار يشبه عواصف الخماسين، تهزّ الجبال ولا تكسرها.
بدأ ضياء رحلته كمخبرٍ صحفيٍ، كأنه ضابط مباحث محترف يكشف الغموض، يتتبع الخيوط الدقيقة للأحداث بعين يقِظة، ويجمع الوقائع بدقة رجل القانون، لا بشهوة الاقتحام بل بحكمة الاستقصاء. كان يعرف من أين يبدأ السؤال، ومتى يتوقف، وكيف يحاصر الحقيقة حتى تبوح، كما يفعل المحققون الكبار في ملفات معقدة.
ثم تطور إلى محاورٍ صلب، يواجه خصومه في ساحات الحوار بثبات فارس، مسلحاً بسيف الكلمة وحُجّة المنطق، لا يلين حتى يستخرج الإجابة من صميم الصمت. أما كتاباته فكانت لوحات ناصعة، ترسم الواقع بلا مساحيق، ومحروسة دائماً بسياجٍ متين من الالتزام المهني الصارم؛ لا مجاملة تلوّن سطورها، ولا هدنة تُضعف رسالتها، بل شرف صحفي يلمع كنجمٍ هادٍ في ليالي العتمة.
وعلى صلابة هذا الحضور المهني، كان ضياء إنساناً قبل كل شيء. أذكر – ولا أنسى – أنه حين اعتُقلتُ ذات مرة على خلفية قضية نشر صحفي، وبقيتُ ساعاتٍ طويلة بلا ماء ولا طعام، كان ضياء أول من طرق الباب عليّ، لا بصفته رئيس تحرير أو زميلاً فحسب، بل أخاً حقيقياً. جاءني حاملاً طعاماً شهياً وماءً بارداً، كأن إحساسه المرهف قد التقط قرقرة بطني الجائعة من مسافة بعيدة. كانت وجبة في وقتها، لكنها في معناها كانت درساً في النبل، ودليلاً دامغاً على معدنٍ لا يصدأ.
عندما تولى رئاسة تحرير صحيفة «السوداني» في انطلاقتها الثانية، بدا كقائد سفينة محنّك يشق عباب بحرٍ هائج، حافظ على إرثها العريق ككنزٍ ثمين، وضخّ فيها روح الشباب والتجديد كنسيم ربيع. تحت قيادته، ازدهرت الجريدة، فحازت الاحترام المهني، والتقدير العام، والإقبال الجماهيري، حتى غدت رقماً صعباً في المشهد الصحفي.
ولم يقف طموحه عند حدود التحرير المكتوب، بل اقتحم عالم التقديم التلفزيوني بثقة العارف، مستثمراً خبرته الطويلة في إدارة الحوارات. أجرى عشرات اللقاءات مع الصف الأول من السياسيين ورموز السودان، فاتحاً مغاليق الأسئلة الشائكة، ومثبتاً قدرة عالية على الجمع بين الجرأة والاتزان. وفي التحليل السياسي عبر كبريات الفضائيات العربية، برز كمحلل يُقنع بالحُجّة لا بالصوت العالي، فصار ضيفاً مرغوباً، يحضر حيثما حضرت الحاجة إلى الرأي الرصين.
بعد عواصف التغيير السياسي في 2019، اختار الهجرة إلى قطر، مضيفاً إلى وكالة الأنباء القطرية قيمة مهنية نوعية، كجوهرة أُحسن اختيار موضعها. وخلّف وراءه في المشهد الصحفي السوداني فراغاً يشبه صدعاً في جبل شامخ، لا يسدّه إلا من امتلك ذات البريق.
هكذا يظل ضياء الدين بلال قصةً حية، تجمع بين الصلابة المهنية والدفء الإنساني، بين دقة المحقق ونبل الصديق، يرسم ملامح الصحافة بألوان لا تخبو، ويُلهم الأجيال كنجمٍ يدلّ السائرين في ليل التحديات.
الطاهر ساتي
في أروقة الصحافة السودانية، حيث تتصارع الكلمات كالسيوف في معركة الحقيقة، يقف الطاهر ساتي كفارس أسطوري، يحمل لواء “إليكم” كدرع لا يخترق. تخيلوا عموداً صحفياً يتحول إلى قلعة استقصائية، يبنيها ساتي حجراً حجراً من معلومات دامغة، كأنها أساسات جبل لا يهزها ريح الزيف. في كل حلقة من عموده، يفتح أبواباً على قضايا استراتيجية، خدمية كالينابيع التي تغذي الأرض الجافة: يغوص في أعماق البذور الزراعية المعدلة وراثياً، كمن يقلب تربة الحقول بحثاً عن السم المدفون، ويطارد قضية تصدير إناث الإبل كصياد يتعقب الظلال في الصحراء، لا يفتر حتى يمسك بخيوط السر.
ظل ساتي صاحب نفس طويل كالنيل الذي يجري دون كلل، يتابع ملفاته عاماً بعد عام، كأن الزمن حليفه في رحلة لا تنتهي. هكذا، تحول عموده إلى نهر جارف يجذب القراء، يروي ظمأهم للحقيقة، ويجعله “كاتب الشباك” في عرف الوسط الصحفي – ذلك الشباك السحري الذي يفتح على عالم المبيعات المتدفقة، إذ يهرع الناس إلى كشك الصحف كالفراشات إلى النور، يلتهمون كلماته التي تزيد من رواج الجريدة كالمطر الذي يخصب الأرض.
بعد عواصف التغيير السياسي في أبريل 2019، ارتقى ساتي عرش التحرير في “الصيحة” و”اليوم التالي”، يقود سفينتيهما عبر بحار التحديات، محافظاً على صرامة قضاياه كصخرة تتحدى الأمواج. لكن خلف هذا الوجه الجاد، كان هناك جانب آخر يتفتح كزهرة في البرية: قدرة فائقة على إطلاق القفشات كالسهام المضحكة، تجعل أي مجلس يحضره يغدو حديقة من الضحك، وحتى قروبات الواتساب بين الصحفيين تتحول إلى مهرجان مرح، حيث ينثر ساتي جواهر الفكاهة كمن يبذر بذور الفرح في أرض الجدية.
هكذا، يظل الطاهر ساتي أسطورة حية، مزيجاً من النقد الحاد والروح الخفيفة، يرسم لوحة الصحافة بألوان لا تبهت.
نواصل بحول الله،،،،،





