البرهان يكتب مقالا عن الصراع الداخلي والتدخلات الخارجية وقضايا اخرى خطيرةويكشف عن أولوياته في المرحلة القادمة

متابعات_تسامح نيوز
يواجه السودان اليوم ليس فقط صراعًا داخليًا، بل أيضًا اختبارًا واسع النطاق لسيادة الدولة، وتماسك المجتمع، ومستقبل النظام الإقليمي. لا يمكن قراءة هذه الأزمة بوصفها مجرد مواجهة بين تشكيلين مسلحين. فقد تضررت بنية الدولة، وتآكلت المنظومة الأمنية، وتعطلت الخدمات العامة، كما أن النقاشات حول التدخلات الخارجية عمّقت الأزمة وحولتها إلى “لحظة مفصلية” ستحدد ملامح مستقبل السودان السياسي.
ضمن هذا الإطار، تتمثل أولويتي الأولى في الحفاظ على وحدة الأراضي السودانية واستمرارية الدولة. إن إرادة الشعب السوداني يجب أن تسود على أي منطق عسكري أو شبكات نفوذ مرتبطة بمصالح شخصية أو أجندات خارجية. وتتحمل القوات المسلحة السودانية مسؤولية تاريخية ودستورية في منع فرض الأمر الواقع بالقوة، واحتواء خطر التفكك، واستعادة الحد الأدنى من البيئة الأمنية التي تتيح قيام عملية انتقالية مدنية. والهدف ليس “إنهاء الحرب” بمعناها الشكلي، بل إدراك أن أي حل سياسي دائم لا يمكن أن يتحقق دون إزالة واقع “التمرد المسلح” الذي أنتج هذه الحرب أصلًا.
لماذا نقول “الأمن أولًا”؟
إن الدعوات إلى وقف إطلاق النار والتفاوض في السودان مهمة بطبيعة الحال. غير أنه في سياق أصبحت فيه السياسة رهينة السلاح على الأرض، فإن التفاوض لا يكون ذا معنى إلا إذا استند إلى مبادئ واضحة.
عند اندلاع الحرب، كنا منفتحين بحسن نية على مبادرات التفاوض بهدف منع تفكك السودان ووقف نزيف الدم، ولهذا السبب شاركنا في محادثات جدة. غير أن حسن النية وحده لا يكفي لتحقيق نتائج. فهناك شرط أساسي لا بد من الالتزام به: على التشكيلات المسلحة أن تتخلى عن أي ادعاء بالسيادة الموازية في مواجهة سلطة الدولة الشرعية.
وحتى اليوم، لم يتغير جوهر هذه الشروط: الانسحاب من المناطق المحتلة، إخراج الأسلحة الثقيلة من المعادلة، وإنهاء أي مركز قوة موازٍ يعمل خارج سلسلة القيادة الرسمية للدولة. ومن دون هذه الشروط، لا يمكن لأي وقف إطلاق نار أن يكون أكثر من هدنة مؤقتة تُجمِّد الصراع بدلًا من حله. هدفنا ليس “إدارة” الصراع، بل إعادة السودان إلى مساره الطبيعي كدولة مؤسسات.
مسألة التدخل الخارجي والحسابات الإقليمية
لا يمكن إنكار أثر شبكات الدعم الخارجي في إطالة أمد الأزمة السودانية وزيادة كلفتها. موقف السودان واضح: السودان ملك للسودانيين، ولا يمكن صياغة حل سياسي عبر معادلات مفروضة من الخارج، بل من خلال حوار سوداني–سوداني وطني خالص.
في هذا السياق، نُقيِّم أن بعض الأطراف الخارجية دعمت قوات الدعم السريع بمستويات متفاوتة، وهو ما عزز قدراتها على الأرض، كما تشير إليه نتائج تحقيقات عدة. وطالما استمر هذا الدعم الخارجي، ستظل الحرب قائمة، وسيبقى الإصلاح الوطني صعبًا، وستتأخر عملية ترميم النسيج الاجتماعي. ولا يمكن اختزال أمن السودان الوطني إلى “خط تماس” في صراعات إقليمية أوسع.
الكارثة الإنسانية: الوجه الأثقل للأزمة
يدفع المدنيون الثمن الأعلى لهذه الحرب. فقد نزح الملايين، ودُمرت مدن بأكملها، وانهارت البنية التحتية، وتوقفت الخدمات الأساسية. وتشير البيانات الدولية إلى أن عدد الأشخاص الذين أُجبروا على النزوح منذ اندلاع الصراع بلغ عشرات الملايين. وتُظهر هذه الصورة أن السودان لا يمر فقط بأزمة أمنية، بل أيضًا بأزمة تنموية وأزمة في قدرة الدولة على أداء وظائفها.
من هنا، فإن “الدبلوماسية الإنسانية” ليست شعارًا بالنسبة لنا، بل ضرورة حتمية: لضمان إيصال المساعدات الإنسانية، وإعادة تشغيل الخدمات الصحية، وحماية النازحين، وإعادة تفعيل منظومتي التعليم والغذاء. كما تلعب المبادرات المحلية وشبكات المتطوعين التي تعزز الصمود المجتمعي دورًا حيويًا في هذه المرحلة. والحفاظ على هذه القدرات شرط أساسي لإعادة إعمار السودان.
الشراكة الاستراتيجية مع تركيا: أفق ما بعد الحرب
كما أكدت خلال لقاءاتي في أنقرة، فإن العلاقات بين تركيا والسودان علاقات تاريخية ومتجذرة في روح الأخوة. إن حرص تركيا على إبقاء قضية السودان على الأجندة الدولية، وإظهارها التضامن مع الشعب السوداني، هو موقف تتجلى قيمته بشكل أوضح في أوقات الشدة.
المرحلة المقبلة لا تتعلق فقط بوقف القتال، بل تمثل مرحلة إعادة إعمار السودان. وستشمل هذه العملية نطاقًا واسعًا من القطاعات: من البنية التحتية والطاقة، إلى الزراعة والموانئ، ومن الصحة والتعدين إلى التعليم. وتمثل القدرات المؤسسية التركية، وديناميكية القطاع الخاص، وخبرتها الميدانية، أساسًا حقيقيًا لشراكة فاعلة في تعافي السودان. ولهذا ندرس اتخاذ خطوات تسهيلية، مثل تحسين نظام التأشيرات لرجال الأعمال، بما يفتح المجال أمام الاستثمار والتجارة.
النظام الإقليمي ومبدأ السيادة: نموذج “أرض الصومال”
نلاحظ في الختام أن أي خطوات تُضعف مبدأ السيادة ووحدة الأراضي في منطقتنا ستقود، على المدى الطويل، إلى عدم الاستقرار. فالنقاشات التي تبدأ في مكان ما عبر “الاعتراف” قد تتحول إلى سوابق تشجع النزعات الانفصالية في مناطق أخرى. ومثل هذه التطورات لا تؤثر على دولة واحدة فحسب، بل على التوازن الإقليمي بأكمله.
هدف السودان واضح: إعادة ترسيخ السلطة الشرعية للدولة، وضمان حماية المدنيين، والمضي قدمًا نحو عملية سياسية شاملة قائمة على أسس آمنة. إن التعاون مع الدول الصديقة عنصر مهم في هذا المسار، لكن بوصلة الحل ستظل سيادة السودان والمستقبل المشترك للشعب السوداني.
وفي هذا السياق، آمل أن يشكل هذا المقال تمهيدًا للعدد الخاص بالعلاقات التركية–السودانية في مجلتنا. وأثق أن الطرح الوارد هنا—والمرتكز على سيادة السودان، ووحدة أراضيه، وتماسكه الاجتماعي، وإعادة إعماره—سيوفر أرضية فكرية مشتركة للأكاديميين وصناع السياسات والممارسين، ويسهم في نقاش بنّاء وحلول مستدامة. وأنا على يقين بأن العلاقات التركية–السودانية، القائمة على روابط تاريخية واحترام متبادل وتضامن صادق، ستتعزز في المرحلة المقبلة وترتقي إلى مستوى أكثر تقدمًا من التعاون الاستراتيجي، بما يسهم في بناء مستقبل أكثر استقرارًا وعدلا للسودان والمنطقة بأسرها.





