
هل توقف حرب السودان.. الورقة السعودية ـ الامريكية.. (الكرت الأخير)!
د. الفاتح عثمان: هذه هي سمات المبادرة الامريكية السعودية
عبد الناصر سلم: هدف المبادرة هو “خفض تكلفة الحرب” على الإقليم والمجتمع الدولي .
باحث: حتى لو اتفق العسكريون سياسيًا، يبقى هناك مستوى آخر من الحرب تديره مصالح شبكات محلية وإقليمية
تقرير – المحرر السياسي
من المقرر ان يكون مجلس الامن والدفاع السوداني ناقش فى اجتماع له “ورقة” قدمتها كل من السعودية ـ وامريكا تتعلق بانهاء الحرب في السودان واثارت التسريبات حول محتوى “رؤية” واشنطن والرياض لانهاء الحرية والتى تهدف إلى وقف إطلاق النار والعدائيات، وإقرار هدنة تمهد الطريق لفتح ممرات إنسانية،مع إطلاق عملية سياسية مدنية،وتناقش مستقبل الجيش السوداني ومليشيا الدعم السريع وحلفائهم.
المبادرة الامريكية ـ السعودية ،تاتى بعد عام من رفض رئيس مجلس السيادة الانتقالي ـ قائد الجيش السوداني البرهان للورقة الأمريكية السابقة. فتحت التسريبات الباب امام تساؤلات عدة ابرزها ،هل تفلح هذه الورقة فى وضع حد للحرب ،وكيف تحسم وضع قوات المليشيا بصورة نهائية.
نجاحها مرهون بهذا:
يرى نائب مركز الراصد لدراسات السياسية والاستراتيجية د. الفاتح عثمان فى حديثه لـ (تسامح نيوز) ،انه من الصعب الحكم علي تفاصيل الورقة السعوديه ـ الأمريكية، طالما لا زالت تفاصيلها سرية. ويضيف عثمان اما ما تسرب منها فهو لا يعدو ان صح ـ الا تطابقا من حيث الجوهر مع المبادرة التي طرحها رئيس مجلس الوزراء الانتقالي السوداني د.كامل ادريس امام مجلس الأمن الدولي ، ويصعب تصور هذه المطابقة لأن الوضع العسكري لا يزال يراوح مكانه.
ومالم يحدث اختراق حقيقي في جبهة الحرب في كردفان او انقطاع شبه كامل لسلسلة امداد مليشيا الدعم السريع بالوقود والذخيرة والسلاح والغذاء فإن تطبيق شروط المبادرة السعوديه الأمريكية التي تنص وفقا لتسريبات علي انسحاب قوات مليشيا الدعم السريع الي معسكرات خارج نيالا ـ جنوب دارفور يصبح غير قابل للتنفيذ. وينوه انه فى حال وافقت قوات الدعم السريع علي شروط المبادرة السعوديه الأمريكية فإن السلام سيكون قريبا جدا للشعب السوداني.
إنهاء الحرب أم إدارة مخاطرها:
فى المقابل يقول كبير الباحثين ومدير برنامج شرق افريقيا والسودان بمركز فوكس بالسويد
د.عبدالناصر سلم فى حديثه لـ (تسامح نيوز) ، ان الحديث عن “الورقة السعودية–الأمريكية” بوصفها خارطة طريق نحو سلام مستدام في السودان يفترض أولًا فهمًا دقيقًا لطبيعة الورقة نفسها: هل هي مشروع لإنهاء الحرب أم أداة لإدارة مخاطرها؟ ويضيف في الغالب هي أقرب إلى الثانية. ليس لأن السعودية أو الولايات المتحدة لا تريدان إنهاء الحرب، بل لأن المنطق الذي تُنتج به هذه الأوراق في العادة ينطلق من هدف “خفض تكلفة الحرب” على الإقليم والمجتمع الدولي أكثر مما ينطلق من هدف “تفكيك بنية الحرب” داخل السودان.
وهذه ليست ملاحظة أخلاقية بقدر ما هي وصف لطبيعة الوساطات حين تتحول الحرب إلى تهديد إقليمي يضغط على الممرات البحرية، الهجرة، الاستقرار الحدودي، وأسواق الموارد، وحين يصبح الانهيار الإنساني عبئًا لا يمكن الدفاع عنه سياسيًا وإعلاميًا.
تغيير حسابات القوة والربح والخسارة:
ويلفت سلم ،ان المشكلة الجوهرية أن السلام المستدام لا يولد من وقف إطلاق نار، بل من تغيير حسابات القوة والربح والخسارة التي جعلت الحرب خيارًا “عقلانيًا” في نظر الفاعلين. الحرب السودانية لم تعد مجرد صراع ميداني بين قوتين، بل أصبحت منظومة كاملة لإعادة إنتاج السلطة والثروة والمجال والسيطرة الاجتماعية. حين تتشكل الحرب كمنظومة، فإن أي ورقة تركز على إيقاف العنف دون تفكيك المنظومة ستكون مجرد غطاء يُعيد ترتيبها، لا خطوة للخروج منها.
من هذه الزاوية، تُختبر الورقة السعودية–الأمريكية بسؤال واحد حاسم: هل تغيّر شروط استمرار الحرب أم تغيّر فقط إيقاعها؟ إذا كانت تغيّر الإيقاع، فهي قد تنجح مؤقتًا في خفض العنف وفتح مسارات إنسانية، لكنها في العمق تترك للفاعلين العسكريين الوقت والمساحة لإعادة التموضع، وتُراكم أسباب الانفجار القادم، لأن سبب الانفجار ليس “غياب هدنة”، بل وجود اقتصاد حرب نشط، وشبكات تمويل عابرة للحدود، وشرعية متنازَع عليها، وسلاح يتغذى على الفراغ السياسي، وبنية اجتماعية تُستثمر فيها الكراهية والخوف لتعبئة الأتباع.
هل يمكن ضبط اطراف الحرب بتعهدات سياسية:
ويذهب مدير أكبر نقطة ضعف في أي ورقة مشابهة هي افتراضها الضمني أن أطراف الحرب يمكن ضبطهم عبر تعهدات سياسية ما دامت هناك رعاية دولية. لكن التجربة السودانية، كما تجارب نزاعات كثيرة في الإقليم، تقول إن التعهد لا يعمل دون نظام إلزام. الإلزام هنا ليس مجرد مراقبة أو بيانات إدانة، بل منظومة تحقق وعقوبة تُحوّل خرق الاتفاق من “تكتيك تفاوضي” إلى “خسارة مؤكدة”. في غياب ذلك، يصبح الخرق جزءًا من إدارة التفاوض: يخرق طرف اليوم ليحسّن موقعه،
ويخرق طرف غدًا ليعاقب، ثم تُعاد صياغة الاتفاق ، وتتكرر الحلقة بلا نهاية، السلام المستدام لا ينهض على حسن النوايا، بل على ردع يخفض فائدة الخرق.في السودان تحديدًا، تزداد هذه المعادلة صعوبة لأن الحرب ليست متوازنة في دوافعها السياسية.
هناك معضلة تتعلق بتعريف الدولة والشرعية: المؤسسة العسكرية تنظر إلى نفسها كحامل لسيادة الدولة، وأي صياغة تبدو وكأنها تساوي بين “الدولة” و“خصم ينازعها سلطتها” ستُقرأ داخليًا بوصفها تقويضًا لمبدأ الدولة، لا مجرد تسوية. وفي المقابل، أي صياغة لا تُراعي حقيقة أن الفاعل الآخر اكتسب نفوذًا ميدانيًا وشبكات اقتصادية واجتماعية واسعة، ستبدو كأنها تتجاهل الواقع وتكتب اتفاقًا على الورق لا يمكن إنفاذه على الأرض. هذا التناقض يجعل أي ورقة تقفز فوق سؤال الشرعية عرضة للانفجار؛ لأن النزاع هنا ليس فقط على مواقع، بل على من يملك حق الإكراه ومن يحدد معنى “القانون” في المجال العام.
تجفيف مصادر سماسرة الحرب:
ويمضى كبير الباحثين ومدير برنامج شرق افريقيا والسودان بمركز فوكس مواصلا حديثه:” ثم يأتي الملف الذي يتجنبه الجميع عادة لأنه الأصعب: اقتصاد الحرب”، في اللحظة التي تتحول فيها الحرب إلى شبكة موارد وجبايات ومنافذ وتهريب واستثمار في الذهب والطرق والأسواق، تصبح الحرب ليست مجرد مشروع سياسي بل مشروع “تمويل” أيضًا.
ولذلك، حتى لو اتفق العسكريون سياسيًا، يبقى هناك مستوى آخر من الحرب تديره مصالح ومقاولون وسماسرة وشبكات محلية وإقليمية تعيش على استمرار الفوضى. الورقة التي لا تقترب من هذه الشبكات تظل عاجزة عن صناعة سلام مستدام، لأنها تترك الوقود في الخزان ثم تطلب من المحرك أن يتوقف من تلقاء نفسه.
المنسيون.. تجاهل المجتمع:
وعلى المستوى الاجتماعي، فإن الورقة التي تعالج الحرب كملف تفاوض بين قوتين تتجاهل أن المجتمع نفسه أصبح ساحة معركة. الانهيار في الخدمات، النزوح، المجاعة، الرعب اليومي، خطاب الكراهي ،كل ذلك ليس مجرد “أضرار جانبية” بل عناصر تُعيد تشكيل المجتمع بحيث يصبح أكثر قابلية لاستمرار الحرب.
لا يمكن بناء سلام مستدام فيما البنية الاجتماعية تعيد إنتاج العنف في شكل ثأر وانتقام وتعبئة قبلية وميليشيات حماية ذاتية. وهنا تظهر عقدة العدالة: تأجيل العدالة في نزاع بهذا الحجم لا ينتج استقرارًا، بل ينتج حروبًا صغيرة متفرعة حتى لو خفتت الحرب الكبرى.
العدالة ليست رفاهية قانونية؛ هي شرط اجتماعي لتفكيك دوافع الانتقام ولمنع إعادة تدوير العنف.ثم هناك سؤال المدنيين، ليس كتمثيل شكلي، بل كمعنى سياسي: من يملك تعريف المصلحة الوطنية بعد الحرب؟ إذا بقيت العملية السياسية تُصاغ في الغرف الدبلوماسية بين فاعلين عسكريين ومظلات إقليمية، فإن النتيجة ستكون اتفاقًا هشًا، لأن شرعيته ستبقى موضع نزاع، وسيظل المجتمع ينظر إليه كصفقة لا كعقد اجتماعي جديد. السلام المستدام يحتاج مركزًا مدنيًا قادرًا على إنتاج شرعية داخلية، لا مجرد حضور رمزي. وبدون ذلك، ستظل الدولة بعد أي هدنة دولة ضعيفة، بلا عقد سياسي، وبلا قدرة على احتكار القوة، وبلا أدوات لإعادة الإعمار والتماسك.
واشنطن والرياض.. توازنات مختلفة:
ويلفت د. ناصر سلم ، الى فهم دوافع السعودية والولايات المتحدة في تقديم الورقة: هي ليست دولة واحدة تكتب ورقة في الفراغ، بل جزء من توازنات إقليمية تجعل كل طرف يريد “استقرارًا” وفق تعريفه. الاستقرار في القاموس الدولي قد يعني: وقف النزوح، حماية الممرات البحرية، منع انهيار شامل، تقليل التدخلات الخارجية الفوضوية. لكنه لا يعني بالضرورة إعادة بناء الدولة السودانية على أسس عدالة وتوازن مدني–عسكري وإصلاح مؤسساتي عميق. وبين تعريف الاستقرار كـ“خفض مخاطر” وتعريف السلام كـ“تفكيك بنية حرب”، توجد فجوة كبيرة. هذه الفجوة هي المكان الذي تموت فيه أغلب المبادرات.

الورقة النافذة:
ويمضى مواصلا:” لهذا، إن أردنا إجابة دقيقة ،فإن الورقة السعودية–الأمريكية يمكن أن تكون “نافذة”، لكنها ليست” ضمانة”يمكن أن “توقف النار” إذا كانت مدعومة بإلزام حقيقي، ويمكن أن تفتح المجال الإنساني، لكن احتمال تحوّلها إلى” سلام مستدام” يعتمد على ما إذا كانت ستواجه المسألة السودانية كما هي: صراع على الدولة، وعلى احتكار القوة، وعلى الشرعية، وعلى الموارد، وعلى العقد الاجتماعي، لا مجرد نزاع يمكن تبريده بالوساطة.
إذا لم تغيّر الورقة هذه المعادلات، فهي ستُنتج أحد مسارين معروفين تاريخيًا: إما تجميد النزاع وتحويله إلى تقسيم نفوذ واقعي، أو تهدئة قصيرة تُستخدم لإعادة التموضع ثم تعود الحرب بمستوى أعنف لأن الأطراف تعلمت من الجولة السابقة. أما إذا اقترنت الورقة بمنظومة إنفاذ صارمة، وبمقاربة حقيقية لتفكيك اقتصاد الحرب، وبعملية سياسية مدنية مؤسسة، وبمسار عدالة يمنع الإفلات من العقاب ولو تدريجيًا، عندها فقط يمكن أن تتحول من “ورقة هدنة” إلى “خارطة طريق” بالمعنى الحقيقي للكلمة.
ليست بالنوايا:
ويضيف د. ناصر ،أن تقييم هذه الورقة لا ينبغي أن يقوم على” نوايا رعاتها أو جمال لغتها الدبلوماسية”، بل على سؤال واقعي: هل تجعل الحرب أقل فائدة وأعلى كلفة لمن يخوضها؟ وهل تعيد تعريف الدولة بطريقة تُنهي ازدواج القوة؟ وهل تمنح المجتمع السوداني عقدًا سياسيًا جديدًا يمنع عودة العنف؟ إن لم تفعل ذلك، فهي مجرد إدارة للأزمة بأدوات جديدة، لا خروج منها.





