د. ياسر محجوب الحسين : تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (١٤)

متابعات_تسامح نيوز
عبر حلقة جديدة بالرقم 14 ضمن سلسلة “تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية”، تستمر الأمواج الناعمة في التقاط حكايات لم تكتبها الصدفة، بل صاغتها المهنة بالصبر والمواجهة اليومية. هنا، لا تهدأ الكلمة الحرة، وهي تنقب بين صخور التجارب ورمال التضحيات عن درر صحفية خالدة.
في زمن تراجعت فيه الكلمة أمام العنف، وامتحنت الصحافة تحت نيران الحرب والنزاع، يبرز داؤود أبو كلام ورمضان محجوب كشاهدين كتبوا من قلب العاصفة، لا من مسافة آمنة. هذان الصحفيان جعلا من المهنة شهادة على الوطن، ومن الصبر موقفاً ثابتاً، ومن الحقيقة طريقاً لا رجعة عنه. كانت كلمتهما فعلاً أخلاقياً، وكتابةً تنبع من خاصرة الجراح، محملة بقصص الشجاعة التي سنكشفها اليوم.
داؤد ابو كلام
صحفيٌّ يكتب الوطن من خاصرة الجراح
من عبق التاريخ من جبال النوبة حيث يعانق جمال الطبيعة قسوة الحروب، حيث تتعانق القمم مع الغيوم وتحتفظ الأرض بسرّ الصبر الطويل، خرج داود أبو كلام حاملاً قلمه كما يحمل العارف بوصلته. لم يكن ابن منطقةٍ فحسب، بل ابن فكرةٍ كبرى: أن الوطن واحد، وأن الكلمة الصادقة قادرة على أن تشق طريقها وسط الركام، وأن تصنع للسلام معنى قابلًا للحياة.
في عام 1995، بدأ رحلته المهنية عبر صحيفة رسالة أفريقيا، صحفيًا شابًا لم تغره المسارات الآمنة ولا مكاتب المدن البعيدة عن الوجع. اختار جنوب كردفان وجبال النوبة مسرحًا لعمله، حيث كانت الحرب تملي إيقاعها القاسي، وحيث تصبح الصحافة فعل شجاعة لا مجرد مهنة. هناك تعلّم أن الخبر ليس نصًا محايدًا، بل حياة تُنقذ أو تُترك للنسيان.
لم يكتفِ بدور الشاهد، بل انخرط في بناء المنابر. أسّس صحيفة كردفان الخضراء، وأطلق منبر نداء السلام، واضعًا لبنات إعلام محلي يؤمن بالحوار في زمن الاستقطاب. ومن خلال عمله في وزارة الثقافة وإعلام إدارة السلام وإعادة التوطين، رافق قوافل العائدين، ووثّق حكايات النزوح، وسجّل للذاكرة الوطنية تفاصيل الألم وأحلام العودة، ليكون الإعلام جسراً بين الجراح وإمكانية التعافي.
غير أنّ درب الحقيقة كان مفخخًا. ففي إحدى المهمات، اصطدمت سيارة الواجب بلغمٍ أرضيٍّ غادر، فانفجر الموت على مقربة، ورحل زملاء أعزاء من مراسلي التوجيه المعنوي، بينما خرج داود مصابًا بجراحٍ بالغة، شاهداً حيًّا على أن الصحافة في مناطق النزاع لا تُدفع بالحبر وحده، بل قد تُفدى بالأرواح. كانت تلك اللحظة فاصلة، عمّقت إيمانه بأن الكلمة مسؤولية ثقيلة لا يحملها إلا من عرف ثمنها.
وإيمانًا بأن المعرفة لا تنفصل عن الرسالة، عمّق داود تجربته الأكاديمية بحصوله على درجة الماجستير في الصحافة والنشر من جامعة أم درمان الإسلامية عام 2006، ليزاوج بين الممارسة الميدانية والتأصيل العلمي، ويمنح قلمه أدواتٍ أوسع للفهم والتحليل.
ومع تراكم التجربة، تمددت خبرته من المجال الصحفي إلى الفعل الإداري، دون أن يتخلى عن جوهره الإعلامي. فقد شغل منصب المعتمد لعدد من محليات ولاية جنوب كردفان، من بينها محلية أم دورين، ومحلية العباسية تقلي، ومحلية الليري. وفي تلك المواقع، تعامل مع الإدارة بوصفها امتدادًا لفلسفة الصحافة: الإصغاء للناس، إدارة الأزمات، والانحياز للخدمة العامة، مستفيدًا من حسّه الصحفي في قراءة الواقع، وفهم تعقيدات المجتمعات الخارجة من النزاع.
اليوم، ومن موقعه النقابي نائبًا لمسؤول الحريات في اتحاد الصحفيين السودانيين، ورئيس اتحاد الصحافيين بجنوب كردفان، لا يزال صوته معلقًا بأوضاع الصحفيين المحاصرين في كادوقلي والدلنج وهبيلة ودلامي؛ أولئك الذين طحنهم الحصار، وأثقل كاهلهم الفقر والمرض، وحُرم أطفالهم من أبسط حقوق التعليم. لم ينساهم، لأن من عرف الألم لا يساوم على الذاكرة.
وهو يدير مركز عيون التلال للإنتاج الإعلامي، يواصل داود أبو كلام أداء رسالته بذات الإيمان الأول: أن الصحافة فعل سلام، وأن وحدة التراب الوطني ليست شعارًا بل ممارسة يومية، تبدأ من احترام الإنسان، وتنتهي ببناء وطن يتسع لتعدده.
إنه صحفي من جبال النوبة، وإداري خبر دهاليز السلطة المحلية، لكن قلبه ظل وفيًّا للكلمة الحرة؛ كلمةٍ تمشي على دروب الألغام، وتعود دائمًا حاملة حلم السودان الواحد… الآمن، والعادل.
رمضان محجوب
لم يمرّ عليّ زميلٌ كابد طواحين الحياة، وصارع بصبرٍ من أجل المبادئ، كما فعل رمضان محجوب. يمضي في طريقه صامتاً، لا يرفع صوته إلا بقدر ما تقتضيه الحقيقة، ولا يتقدّم إلا بثبات من يعرف لماذا بدأ، وإلى أين يريد أن يصل. في زمن الضجيج، كان صمته موقفاً، وكان التزامه درساً بليغاً في الأخلاق قبل المهنية.
بدأ رحلته مع الصحافة عام 1999 محرراً متدرّباً، يتعلّم المهنة من الميدان، ويتدرّج بصبر بين الأخبار والتقارير والتحقيقات، متنقلاً بين السياسة والمنوعات والرياضة، حتى صار ركناً ثابتاً في غرف الأخبار. لم تكن مسيرته قفزاً سريعاً، بل صعوداً شاقاً، تقلّد خلاله مهام قيادية من رئاسة أقسام إلى سكرتارية تحرير، وصولاً إلى الإدارة التحريرية، وظل في كل ذلك وفياً لقيمه الأولى: الدقة، والانحياز للحقيقة، واحترام القارئ.
لكن الحرب وضعت قلمه في امتحانٍ أقسى. في يوليو 2023، اقتُحم منزله بأم درمان عقب قصفٍ جوي، واعتُقل من بين أهله. حين وُجّه السلاح إلى رأس ابنه عبد الخالق، قال كلمته التي لخصت معنى الأبوة: «قبل أن تصفّوه صفّوني أنا أولاً». بعدها بدأت رحلة النزوح إلى مدني، اثنتان وعشرون ساعة عبر الدويم والمناقل، شاهداً على تغلغل المليشيا وسط المدنيين، وعلى ارتباك الجنود أمام بطاقةٍ صحفية تعرف أن الحقيقة أخطر من الرصاص.
في الجزيرة، عاش ثمانية أشهر تحت السيطرة القسرية، يوثّق الموت بصمت: واحدٌ وستون ضحية إهمال طبي في قرية واحدة، وتهجيرٌ قسري لأكثر من خمسٍ وثمانين قرية، وغذاءٌ ودواء تحوّلا إلى أدوات ابتزاز. كاد أن يدفع حياته ثمناً لشائعة “فدية مليارية” صُنعت من نزاعٍ مدني، قبل أن يعود إلى دنقلا بعد ثمانية عشر يوماً من التيه في صحراء البطانة، ليُستقبل باتهامات التخوين، وكأن البقاء هناك جريمة لا نجاة.
ومع العواصف الاقتصادية التي عصفت بالمهنة، لم يترك رمضان الصحافة حباً وشغفاً، لكنه اتخذ لنفسه متجراً صغيراً داخل الحي، يعينه على أعباء الحياة، دون أن يساوم يوماً على قلمه أو صوته. خاض الصحافة الورقية حتى محطاتها الأخيرة، ثم اتجه بوعي مبكر إلى الرقمية. أسّس منصته الإعلامية عام 2014، ويستعد اليوم لإطلاق مشروعه الثاني، حضوراً مستقلاً لا تحكمه الإملاءات.
رمضان محجوب ليس مجرد صحفي، بل شاهدٌ على زمنٍ قاسٍ، اختار الطريق الأصعب، ومضى فيه نظيف اليد، واضح القلب، صادق الكلمة. وفي هذا المسار القاسي، يشارف رمضان على إكمال سلسلة من عشرين حلقة بعنوان «أنواء الروح.. شهادة قلم عاصر الانكسار»، كتبها بدم القلب لا بحبر المهنة وحده. يوثّق فيها تجربته كصحفي وإنسان عاش العاصفة من الداخل؛ من ممرات أم درمان الموحشة وغرف الاعتقال المعتمة، إلى قرى الجزيرة التي تحوّلت من جنة إلى يباب.
ونواصل بحول الله مع حلقة جديدة،،،،





