د. ياسر محجوب الحسين : تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (١٧)

متابعات_تسامح نيوز
بين هذه الأمواج الناعمة، حيث لا الصخب عنوان، ولا الهدوء انسحاب، نقترب من شاطئ اعتاد أن يستقبل العابرين بثقل التجربة لا بخفة الادعاء. هنا، على رمال الزمالة الصحفية، لا تروى السير بوصفها إنجازات مكتملة، بل كمسارات شقتها الأقدام بصبر، وعلّمت أصحابها أن الموج لا يعلو دفعة واحدة، وأن الثبات أحيانا أبلغ من العاصفة.
في هذه الحلقة (١٧) من سلسلة تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية، لا نحتفي بالأسماء لمجرد حضورها، بل نتوقف عند ما تركته خلفها من أثر، وما حملته معها من أسئلة. صحفيون من أجيال وتجارب مختلفة، جمعهم الإيمان بالكلمة، وافترقوا في الطرق، لكنهم التقوا عند معنى واحد: أن الصحافة ليست مهنة للزينة، بل مسؤولية تؤدى، وشهادة تقال، مهما تغيّر اتجاه الريح.
من عبد الماجد عبد الحميد، الذي صاغته المبادئ كما تصوغ الأمواج الصخر، إلى أحمد دندش، الذي اختار السير حافيا في حقل الأشواك ليخترق صوته جداريات الفن والوتر.. تمضي هذه التلغرافات، هادئة في إيقاعها، عميقة في دلالاتها، تكتب عن نفر صنعتهم التجربة، وامتحنتهم الأرصفة.
عبد الماجد عبد الحميد
لم يكن عبد الماجد عبد الحميد اسما عابرا في دفاتر الصحافة، بل كان موقفا يمشي على قدمين، وقصة تكتب بالحبر الثقيل للمبادئ لا بالحبر الخفيف للمجاملات. صحفي صاغته القناعة قبل العناوين، وتربّى قلمه على الصدق، فلا عرف المداهنة طريقا إلى منطقه، ولا المراوغة مخرجا عند اشتداد العواصف، ولا أتقن فن التماهي وإعادة التموضع مهما اشتدت الضغوط، أو ضاقت دوائر الملاحقة الأمنية، أو لمع أمامه بريق المناصب والمال والحظوة.
ظل (مجيدي) – كما يحلو لزملائه مناداته حبا وتدليلا – وفيا لما وقر في يقينه من مبادئ، مستعدا لدفع أي ثمن في سبيل ألّا يتخلى عنها. كان يؤمن أن الصحافة امتحان يومي للشجاعة، وأن التنازل الأول هو بداية السقوط الأخير، لذلك اختار الطريق الوعر عن طيب خاطر، ومضى فيه ثابت الخطى.
تدرّج في سلّم المهنة كما يتدرج النهر في مجراه الطبيعي؛ من مخبر يطارد الخبر في الهامش، إلى محرر ينقّي الوقائع، فرئيس قسم، فمدير تحرير، حتى بلغ قمة الهرم الصحفي رئيسا للتحرير، لا بقفزة محظوظة، ولا بوساطة نافذة، بل باستحقاق صنعه الجهد وطول النفس. امتلك منطقا قويا كالحجر الصلد، وحجة راجحة لا تخذل صاحبها، فكان إذا خاصم خاصم بالفكرة، وإذا جادل انتصر بالدليل.
وعلى الشاشات التلفزيونية، بدا مجيدي خطيبا مفوها، ومتحدثا لبقا، يعرف كيف يزن كلماته قبل أن يطلقها، وكيف يخاطب العقول دون أن يستفزها. حضوره الإعلامي محسوب، لا يعلو صوته إلا بقدر ما تعلو الحجة، ولا يخفت إلا احتراما لعقل المتلقي.
وهذه القدرات الخطابية، مقرونة بمعرفة عميقة بدروب المشهدين السياسي والاجتماعي، لم تكن مجرد أدوات تعبير، بل مؤهلات فعل وتأثير؛ تجعل منه برلمانيا فاعلا، دقيق التصويب، قادرا على قراءة الواقع، واقتراح الحلول العملية للجهازين التنفيذي والسياسي في الدولة، لا من موقع التنظير، بل من موقع الممارسة والخبرة والمعايشة.
وحين أنشأ عبد الماجد صحيفته «مصادر»، لم يؤسس مطبوعة عادية، فقد راهنت على الخبر الموثوق، والتقرير الخاص، ولم تقبل إلا بالسبق الصحفي النظيف، فتميّزت وسط زحام الصحف – على قصر عمرها – وصارت عنوانا للثقة، وملاذا لمن يبحث عن الحقيقة كما هي، لا كما يراد لها أن تكون.
وبحكم هذه المسيرة المهنية والموقفية، اختير وزيرا للإعلام بولاية النيل الأبيض، فدخل المنصب دون أن يخلع عباءة الصحفي، وبقي حاضرا في قضايا المهنة، عضوا فاعلا في الاتحاد العام للصحفيين السودانيين في دورته الحالية، مدافعا عن حرية الصحافة، ومشتبكا مع أسئلتها الصعبة.
وخلال هذه الحرب القاسية، حين آثر كثيرون السلامة واختاروا المغادرة، ظل مجيدي متمترسا في البلاد، رافضا الرحيل. تنقّل بخفة الطائر بين مدن السودان، لا سياحة ولا ترفا، بل معايشة للألم اليومي للمواطنين. رأى الخراب بعينه، وسمع أنين الناس بأذنه، ثم حمله إلى العالم بقلم شجاع، كاشفا جرائم مليشيا الدعم السريع بلا خوف ولا مواربة، مؤمنا بأن الشهادة في زمن الحرب مسؤولية لا تقل خطورة عن المواجهة.
مجيدي كما يناديه محبوه، صحفي من نوع نادر؛ صلب المواقف، شديد المراس، لا يخشى في الصدع بكلمة الحق لومة لائم. قد تختلف معه، لكنك لا تملك إلا أن تحترمه. يحترم الرأي المخالف، ولا يقارع إلا بالمنطق والحجة، ولا ينزلق إلى إسفاف، ولا يخرج عن حدود اللياقة. رجل اختار أن يكون شاهدا على عصره، لا متفرجا عليه، وأن يكتب تاريخه بمداد الموقف، لا بحبر المجاملة.
أحمد دندش
لم يكن الطريق إلى الأضواء مفروشا بالحرير، بل أشبه بالسير حافيا في حقل من الأشواك؛ مؤلم، محفوف بالمخاطر، لكنه الطريق الوحيد لمن أراد أن يصل. هكذا مضى أحمد دندش، واحد من شباب الصحافة السودانية، يشق مساره بعناد الواثق وشغف الحالم.
دخل دندش عالم الصحافة من بوابة الصحافة الفنية والاجتماعية، مجال لا يرحم المترددين، ولا يمنح الاعتراف إلا لمن يملك الجرأة والقدرة على السباحة عكس التيار. كتب، ناقش، وانتقد، واضعا اسمه تدريجيا في واجهة المشهد الإعلامي، حتى أصبح واحدا من الوجوه المعروفة في الساحة السودانية.
لم يكتف بالقلم، بل انتقل إلى الشاشة الصغيرة، حيث لمع كمقدّم برامج حوارية، يجيد إدارة النقاشات الساخنة، ويعرف كيف يضع ضيوفه في مواجهة أسئلتهم قبل أن يواجهوا الجمهور. ومن هنا ولد برنامج «الصندوق»، ذلك العمل الذي فتح أبوابه على مصراعيها للأسرار والاعترافات، واستضاف نجوم الفن والمجتمع، وطرح أسئلة جريئة لا تخلو من الجدل. عرض البرنامج عبر قناة أنغام ومنصات يوتيوب، وسرعان ما تحوّلت حلقاته إلى مادة دسمة للتريند في وسائل التواصل الاجتماعي السودانية.
أسلوبه الإعلامي مباشر، ناقد، لا يعرف الالتفاف ولا المواربة، وهو ما جعل حضوره مثيرا للاهتمام والاختلاف في آن واحد. أما في الصحافة المكتوبة، فقد تنقّل بين عدد من الصحف السودانية، وخصّص زاوية صحفية لملفات الفن والمجتمع، يطرقها بجرأة، ويكتبها بلغة لا تخشى الصدام.
هكذا، وبخطوات محسوبة في درب وعر، استطاع أحمد دندش أن يصنع لنفسه مكانا بين الأسماء، وأن يثبت أن السير في حقل الأشواك قد يكون مؤلما… لكنه وحده يقود إلى المساحات المفتوحة.
ونواصل إن أمد الله في الأجل،،،





