د. ياسر محجوب الحسين: تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (١٨)

متابعات_تسامح نيوز
في أمواج ناعمة لا تأتي الأسماء فرادى، بل تتجاور كما تتجاور الأمواج؛ لكل موجته، ولكل أثره، لكن البحر واحد. هنا لا نكتب عن السيرة بوصفها خطا مستقيما، بل عن التجربة حين تُرى من أكثر من زاوية: جيل يخطو بثبات وسط العاصفة، وجيل شق الطريق أولًا وتحمّل كلفة العبور.
في هذه الحلقة (18) من تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية، نقف عند تجربتين تلتقيان عند جوهر المهنة، وإن اختلف التوقيت والمسار. تجربة لينا يعقوب، ابنة الجيل الذي دخل ميادين الإعلام بوعي مهني وصلابة موقف، فاختارت الميدان، والسبق، والالتزام الصارم بقيم الصحافة، حتى حين كان ثمن ذلك الجدل والضغط. وبجوارها، تجربة أسامة عوض الله، الذي تشكّلت أدواته في حضن الصحف والإذاعات، ونما وعيه بين عناوين السياسة وحرائق الأسئلة الكبرى، فصار شاهدًا على زمن، وصانع حوارات، وذاكرةً تمشي على قدمين.
لينا يعقوب
تنتمي لينا إلى جيل جديد من الصحفيات السودانيات اللاتي شققن طريقهن في الإعلام العربي بجدارة واقتدار. تشغل منصب مديرة مكتب قناتي “العربية”و”الحدث” في السودان، حيث عُرفت بتغطياتها الميدانية العميقة والمهنية، التي جمعت بين الدقة والتشويق، ووضعت المشاهد في قلب الحدث.
خريجة كلية الإعلام بجامعة الخرطوم، بدأت مسيرتها الصحفية من الصحافة المكتوبة، وكان لها حضور لافت ضمن كادر صحيفة السوداني، ما أهلها لتكون واحدة من أبرز الأصوات الصحفية السودانية في الفضاء الإعلامي العربي. في ذات الوقت تشغل منصب رئيس تحرير منصة “باج نيوز” الإخبارية الرصينة، مؤكدة قدرتها على الجمع بين العمل الميداني والإدارة التحريرية بكفاءة عالية.
أثارت بعض تغطياتها جدلا واسعا، لا سيما تحقيقاتها التي كشفت تفاصيل حساسة تتعلق بأماكن إقامة الرئيس السوداني السابق عمر البشير، وهو جدل يُحسب لها لا عليها، إذ ظل اسمها مرتبطًا بالسبق الصحفي والجرأة المهنية.
وقد أثبتت لينا يعقوب أن الصحافة المكتوبة تشكل جسرا متينا للعبور نحو فضاءات الإذاعة والتلفزيون، خاصة حين تستند إلى خلفية أكاديمية راسخة في الإعلام. تُعرف بصرامتها المهنية واعتدادها برأيها الصحفي، ولم تكن بمنأى عن الضغوط والمضايقات في ظل واقع سياسي معقد، إلا أن ذلك لم يُثنِها عن التمسك بموضوعيتها وانحيازها لقيم المهنة، من منطلق حس وطني واضح.
ولعل إثارة الجدل حول أعمالها تظل أحد أبرز مؤشرات نجاحها، فكما قيل قديمًا: «العمل الصحفي الذي يمر دون ردود فعل، قبولًا أو رفضًا، هو عمل فاقد لأثره». المستقبل ما زال مفتوحا أمام لينا يعقوب، وهي في ذروة عطائها المهني، وقد أنجزت في سنوات قليلة ما يفوق أعمارها وخبرات كثيرين سبقوها، لتبقى واحدة من الأسماء الواعدة في الصحافة السودانية والعربية.
أسامة عوض الله
وُلد أسامة في مطلع سبعينات القرن الماضي، في ملكال، تلك المدينة التي كانت آنذاك تقف على تخوم الجغرافيا والهوية، وتفتح ذراعيها للنيل والناس معا. وُلد في حيّ الريّ المصري، اسم لم يكن محض صدفة، بل قدر مبكر؛ إذ كانت أمه مصرية الجذور من جهة أبيها، فاجتمع في دمه نيلان، ولهجتان، وذاكرتان. كان جده لأمه موظفا كبيرا في مصلحة الريّ المصري، جاء إلى السودان ضمن بعثة تعمل بين الخرطوم والشجرة وملكال، وحمل معه أكثر من همّ الري؛ حمل الصحف، والكتب، والراديو، وحمل مصر بثقلها الثقافي إلى قلب السودان.
تلك التربة الأولى هي التي شكّلت لاحقا الشخصية الصحفية في أسامة.
انتقلت الأسرة من ملكال إلى الخرطوم بعد أن نُقل الجد إلى مصلحة الري جنوب الخرطوم. وكان من المفترض أن يعود إلى مصر، إلى القناطر الخيرية، لكنه كتب إلى الحكومة المصرية يطلب البقاء في السودان: زوجته سودانية، وبناته تزوّجن سودانيين، وأحفاده صاروا سودانيين، وكان أسامة أكبرهم. فبقي الجد، وبقي السودان، وبقيت الحكاية.
كانت الصحف المصرية تصل بانتظام إلى بيت الجد: الأهرام، الأخبار، الجمهورية، وأسبوعيا أخبار اليوم، واللواء الإسلامي، ثم الشرق الأوسط، والصحف السعودية، ومجلات الفكر والسياسة: المصور، روز اليوسف، آخر ساعة، صباح الخير، العربي، الدوحة، الأمة، الحوادث. وكانت الصحف السودانية حاضرة كذلك: الأيام، الصحافة، ومجلة الإذاعة والتلفزيون.
تشرب أسامة، وهو طفل، كل هذا التنوع الصحفي، فقرأه بشراهة أكبر من عمره. لم يكتفِ بمجلّات الأطفال التي خُصّ بها: ميكي، سمير، ماجد، وكتب الألغاز و«الشياطين الـ13»، بل رويدا رويدا انغمس في مكتبة الجد الضخمة، وقرأ للعقاد وطه حسين، قبل أن يغوص لاعبا في حواري الحي.
وفي ركن البيت، كان راديو مصري ضخم يلتقط أصوات القاهرة، وصوت العرب، وBBC، ومونت كارلو، وصوت أمريكا، فضلا عن «هنا أم درمان». مساء، كان التلفزيون يجمعهم حول الدراما المصرية الأسبوعية، وبرامج الطيب محمد الطيب، ومحمد البصيري، و«الكون ذلك المجهول» لمصطفى محمود.
كبر أسامة وهو يكتب.
يكتب كل معلومة يسمعها.
يسجل أسماء الدول، عواصمها، رؤساءها، ووزراء خارجيتها.
في المرحلة الثانوية، بدأ أسامة مبكرا يطرق أبواب الصحف. كتب في السياسة، والأدب، والفن، والرياضة. نُشرت كتاباته، وبدأ يسمع صرير قلمه. ثم دخل كلية الحقوق – جامعة القاهرة فرع الخرطوم – وتخرج لاحقا، لكنه كان قد تخرّج عمليا قبل الشهادة.
في العام 1988 بدأت رحلته الصحفية الفعلية. ومنها توالت الأسماء: الملاعب، صوت الشارع، السودان الحديث، نجوم الرياضة، عالم النجوم، ألوان. عرفه زملاؤه صانع حوارات وتحقيقات، لا يكتفي بالمعلومة السطحية ولا يرضى بالمسافة الآمنة.
تميّز أسامة بالجرأة والاقتحام؛ ففي الوقت الذي كان يتهيّب فيه كثيرون الاقتراب من الزعماء والسياسيين، لا سيما في الظروف المشددة التي تحيط بهم بالحرس والأمن، كان أسامة لا يبالي. يفرض حضوره بثقة، وينتزع الوقت والكلمة، فينال التجاوب والتفاعل من تلك الشخصيات. لذلك استطاع أن يُجري حوارات استثنائية في مسيرته الصحفية، حاور خلالها قادة وسياسيين بارزين، من بينهم: جون قرنق، وسلفاكير، وإسياس أفورقي، ومهاتير محمد، والصادق المهدي، ومحمد عثمان الميرغني، وغيرهم كُثُر، فكانت حواراته وثائق زمن لا مجرّد سبق صحفي.
وعند محطة ألوان بدأ التحول الكبير إلى الصحافة السياسية، ومنها إلى الحياة والناس، ثم أخبار اليوم، والدستور، حيث أنجز تحقيق «إعدام زنديق» الذي هزّ الرأي العام، وصار نقطة فاصلة في مسيرته، وتحولت المجلة بسببه إلى صحيفة يومية.
وهكذا تنقل أسامة بين الصحف، وتدرج في المناصب، حتى صار مدير تحرير، ثم رئيس تحرير. وعندما اشتدت سطوة الإعلام الرقمي، أسس الساموراي نيوز، شبكة تفاعلية سبقت زمنها وذاع صيتها.
ورغم صلابة المواقف وحدّة الأسئلة، ظل أسامة يحتفظ بقلب طفل؛ ينفعل، يغضب، ثم يعود سريعا، ينسى، ويبتسم، كأن براءة الطفولة لم تغادره قط.
في عام 2017 جاءت المحنة: جلطة دماغية أقعدته، ثم أعادته واقفا، كأن الله أراد أن يذكّره – ويذكّر الآخرين – بأن الرحلة لم تنتهِ بعد. وقف إلى جانبه الأصدقاء، والزملاء، والدولة، والقلوب. فنهض غير مستكين.
هذه ليست سيرة مهنية فحسب؛ إنها حكاية طفل ربّته الصحف، وعلّمته الإذاعات، وصقلته التجارب.
نواصل بحول الله،،،


![محجوب فضل بدری: الإعتراف ب[دولة الوادی] !! 14 محجوب فضل بدري: إلغاء يوم القيامة!](https://i0.wp.com/tasamuhnews.com/wp-content/uploads/2024/09/%D9%85%D8%AD%D8%AC%D9%88%D8%A8-%D9%81%D8%B6%D9%84-1.jpg?resize=390%2C220&ssl=1)


