المقالات

ياسر الفادني: جزاء سنمار في كردفان: القادة هربوا والحواضن تُباد

متابعات | تسامح نيوز 

متابعات | تسامح نيوز

ما يجري الآن في كردفان، لمن يقرأ الواقع الميداني بعين باردة وعقل حصيف، ليس إعادة تموضع ولا مناورة ذكية، بل انسحاب متدرّج للمليشيا من محاور متعددة باتجاه دارفور، الضعين أولاً ثم نيالا، هروبًا لا يخطئه النظر

الأسباب أوضح من أن تُخفى: خطوط الإمداد أُغلقت، والضربات وُجّهت إلى العمق الصلب للمليشيا في جنوب كردفان وغربها، والروح المعنوية انهارت حتى عند القيادات التي اعتادت الصراخ، نداءات الاستغاثة خرجت عالية، لكنها ارتدت صدىً فارغًا، لا نصير، لا وقود، لا طريق مفتوح

السؤال الحقيقي ليس لماذا انسحبوا، بل لماذا تمّ الانسحاب على طريقة ( أخذ الصفوة)؟ لماذا ركّز عبد الرحيم ومن معه على نجاة دائرة قبلية محددة، تاركين بقية الحواضن التي قاتلت معهم في كردفان لمصيرها؟ الإجابة قاسية لكنها واقعية: إنها سياسة جزاء سنمار، أن تُرمى الحواضن في أتون المعركة وحدها، بلا إمداد، بلا ظهر، لتدفع ثمنًا كاملاً عن حرب لم تعد تخصّ من أشعلوها، أن يُتركوا بين نارين: نيران القوات المسلحة من الأمام، والجغرافيا المعادية من الخلف

المشهد الميداني يفضح الهزيمة أكثر مما تفعل البيانات، عربات مصفحة وتاتشرات محمّلة بأسلحة ثقيلة تُغتنم تباعًا، لا لأن العدو تفوّق عدديًا، بل لأن الوقود نفد ، عسكريا نقطة ضعف التاتشر القتالي نفاد الوقود … و العربة القتالية بلا وقود ليست سوى خردة مكشوفة، نقطة الضعف التي طالما تجاهلوها تحولت إلى مقصلة، حين ينقطع الوقود، ينقطع الأمل، وتسقط الأسطورة

من هذه الزاوية، تبدو الحواضن القبلية التي قاتلت مع الجنجويد في كردفان في وضع لا تُحسد عليه ، لا تستطيع الانسحاب لأن الطرق أُقفلت، ولا تقدر على المواجهة لأن ميزان النار اختلّ، ولا تملك قيادة تحمي ظهرها لأنها اختارت النجاة الفردية لم يتبقَّ سوى التفكك، وسلوك الغرائز، ومبدأ (كل زول يشيل شيلتو) ، إنها لحظة الانكشاف الكامل، حين يتعرّى التحالف من كل شعاراته، ويظهر كعقد مؤقت انتهت صلاحيته عند أول امتحان حقيقي.

ما يحدث ليس مجرد تراجع عسكري، بل انهيار أخلاقي وسياسي. انسحاب الصفوة وترك الآخرين في العراء يكتب الفصل الأخير في قصة مليشيا لم تعرف الوفاء، لا لحواضنها ولا حتى لرجالها

إني من منصتي أنظر ….حيث أقول : أن في الحروب، حين تسقط الثقة، لا تقوم لها قائمة مهما كثرت العربات أو تعالت الأصوات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى