المقالات

د ياسر محجوب الحسين: كادقلي.. انكسار القيد واستحقاق النصر وجسر العبور

متابعات | تسامح نيوز 

د ياسر محجوب الحسين: كادقلي.. انكسار القيد واستحقاق النصر وجسر العبور

د. ياسر محجوب الحسين

لم يكن فكُّ الحصار عن مدينة كادقلي اليوم وفتح شريانها القومي مجرد نصر ميداني عابر، بل كان زلزالاً استراتيجياً أعاد ترتيب قطع الشطرنج في غرب السودان. لقد شكّل هذا التطور نقطة ارتكاز تاريخية، لم تكتفِ بتغيير معادلة القوة فحسب، بل صهرت الميدان والسياسة والجغرافيا في بوتقة واحدة، لترسم ملامح مرحلة جديدة من عمر الدولة السودانية.

كادقلي، الرابضة في أحضان جبال النوبة، ليست مجرد إحداثيات على الخارطة؛ إنها “عقدة الوصل” التي تلتقي عندها جغرافيا كردفان الكبرى وتخوم دارفور. بفك حصارها، تحطمت “استراتيجية الخنق” التي حاولت مليشيا الدعم السريع فرضها كطوق من اليأس حول عنق المدن. لقد استعاد الجيش بفتح هذا الطريق “رئته التنفسية” وحرية المناورة، متحولاً من الدفاع في “جزر معزولة” إلى الهجوم عبر خطوط إمداد متصلة، محولاً كادقلي من مدينة محاصرة إلى منصة انطلاق خلفية تأمّن الموارد وتصون حقول النفط التي تمثل عصب الحياة.

د ياسر محجوب الحسين: كادقلي.. انكسار القيد واستحقاق النصر وجسر العبور
ياسر محجوب الحسين

في هذا المشهد المتغير، برز سلاح الجو بأسرابه المقاتلة ومسيّراته الانقضاضية ليس كأداة إسناد فحسب، بل كمظلة ردع حاسمة. إن التفوق الجوي اليوم هو الصخرة التي تتكسر عليها أطماع المليشيا في العودة؛ فالمسيّرات باتت “العين التي لا تنام”، تراقب المسافات الشاسعة وتؤمّن الخطوط الخلفية بضربات جراحية تستبق أي محاولة للالتفاف. هذا الذكاء العسكري حوّل الفضاء السوداني إلى حارسٍ أمين يمنع التسلل ويمنح القوات البرية ثقة التقدم في تضاريس كردفان الوعرة دون خشية الاستنزاف.

إن صدى فك الحصار في كادقلي تتردد أصداؤه بعيداً في دارفور؛ فمن يمتلك مفاتيح كردفان يضبط إيقاع الحرب في الغرب كله. هذا التحول جفف منابع الإمداد اللوجستي للمليشيا، وحاصر طموحاتها في تحويل الإقليم إلى “دويلة موازية”. وإقليمياً، بعث هذا الصمود برسالة حازمة إلى دول الجوار: الدولة السودانية عصية على الانهيار. لقد جعل هذا المتغير الفاعلين الإقليميين يعيدون حساباتهم، مدركين أن الرهان على تفكيك السودان بات رهاناً خاسراً أمام إرادة استعادة الدولة.

بيد أن هذا الفجر الجديد لم يبزغ من فراغ، بل كان ثمرة غالية لقوافل الشهداء من القوات المسلحة والقوات المساندة، الذين صاغوا بدمائهم جسر العبور نحو الحرية. إن تضحياتهم هي الأساس الأخلاقي الذي يرتكز عليه هذا النصر، وهي تذكير دائم بأن صون الأرض يبدأ ببذل الروح.

إن التحدي القادم أمام القيادة يكمن في إدارة النصر؛ عبر المزاوجة بين الحسم العسكري الميداني، والتأمين الجوي الصارم، والحنكة السياسية التي تحول هذه الانتصارات إلى استقرار دائم، يطوي صفحة التمرد ويؤسس لسودانٍ أكثر تماسكاً وصلابة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى