أخبار

د ياسر محجوب الحسين : تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية (٢٢)

متابعات | تسامح نيوز 

متابعات | تسامح نيوز

في الحلقة (٢٢) من «تلغرافات على شاطئ الزمالة الصحفية»، تميل أمواج ناعمة قليلا نحو الضفة التي لا يعلو فيها الصوت، ولا تقاس التجربة بعدد العناوين، بل بعمق الأثر. هنا لا نلاحق الخبر وهو يركض، بل نعود إلى من مشوا مع الكلمة على مهل، وتركوا خلفهم علامات لا تمحوها سرعة الزمن.

نتوقّف عند راشد عبد الرحيم ومنى أبو العزائم، لا بوصفهما اسمين في سجل المهنة، بل باعتبارهما تجربتين اختارتا الاشتباك مع الأسئلة الثقيلة: الدولة حين تهدَّد، والعدالة حين تؤجَّل، والكلمة حين تُصبح امتحانًا للأخلاق قبل أن تكون رأيا منشورا. لكلٍ منهما مساره المختلف، لكنهما يلتقيان عند قاسم واحد: الإيمان بأن الصحافة ليست استعراضا، بل مسؤولية، وليست ضجيجا، بل وعيًا يتراكم.

في زمنٍ تتآكل فيه المسافات بين الموقف والانفعال، تذهب «أمواج ناعمة» إلى ما هو أبقى: إلى التجربة حين تنضج، وإلى الاتزان حين يصبح اختيارا شجاعا. هنا لا احتفاء بالأضواء، ولا رهان على اللحظة، بل إنصات لما تتركه الكلمة بعد أن يهدأ الموج، حين تصبح الصحافة سيرة أخلاق، لا مجرد حرفة.

 

راشد عبد الرحيم

لم يكن راشد عبد الرحيم عابر في دروب الصحافة، بل كان من أولئك الذين يتركون أثر الأقدام واضح حتى بعد أن يبتعدوا. صحفي سوداني تشكّلت لغته على مهل، كما تتشكّل الأنهار الكبيرة: صبر، وتراكم، ووعي بأن الكلمة مسؤولية قبل أن تكون موقف.

منذ وقت باكر، اختار راشد أن يقف في منطقة الأسئلة الصعبة؛ حيث السياسة ليست خبر عابر، بل سياق، وحيث الحرب ليست أرقام، بل جراح وطن. في زاويته الشهيرة «إشارات»، كان يكتب كما لو أنه يضع مصباح صغير في ممرات معتمة، يلتقط التحولات الدقيقة في حرب السودان، ويربط المحلي بالإقليمي، والآني بالاستراتيجي، دون صخب أو ادّعاء. كلماته هادئة في ظاهرها، لكنها مشحونة بوعي عميق، تعرف متى تلمح، ومتى تصرّح.

عرفت كتاباته انحياز واضح لمؤسسات الدولة السودانية، ودفاع صريح عن القوات المسلحة، ليس من باب الشعارات، بل من موقع القراءة التحليلية التي ترى في تفكك الدولة خراب يتجاوز السياسة إلى مصير المجتمع نفسه. وفي المقابل، لم يتردد في نقد قوات الدعم السريع وتحالفاتها، بلغة تجمع بين الحزم والمسؤولية، دون أن تنزلق إلى التشهير أو الابتذال.

غير أن أحد أكثر وجوه راشد عمق كان تخصّصه المبكر في شؤون جنوب السودان. هناك، لم يكن مجرد مراقب من بعيد، بل شاهد على ملاحم السلام، ووسيط معرفة بين شمال وجنوب، نسج علاقات وثيقة مع الفاعلين السياسيين والاجتماعيين، حتى غدا مرجع يُستأنس برأيه في هذا الملف المعقّد. خبر الجنوب لا كخبر عاجل، بل كحكاية طويلة مليئة بالآمال المجهضة والفرص المؤجلة.

امتدت رحلته الصحفية قرابة أربعة عقود، تدرّج خلالها في كل محطات العمل الصحفي؛ من الميدان إلى غرفة التحرير، حتى بلغ منصبي مدير التحرير ورئيس التحرير. عمل مراسل لصحيفة الشرق القطرية، وشارك في العديد من البرامج التلفزيونية محلل للأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مستندًا إلى رصيد ثقيل من التجربة، لا إلى انفعال اللحظة. كان حضوره الإعلامي امتداد طبيعي لقلمه: رصين، عميق، وغير مستعجل.

رفيق دربه الصحفي، جمال عنقرة، كتب عنه ذات مرة أنه يجسّد “الحالة السودانوية” حق تجسيد؛ تلك الحالة التي تنصهر فيها قبائل وأعراق السودان في ثقافة جامعة أساسها السلام الاجتماعي وقبول الاخر، ثقافة تجمع بين عنفوان الكبرياء ورقة التواضع، فهي قوية في مبادئها، لينة في تعاملها، تبدو كلوحة فسيفساء، كل قطعة فيها نقيض للأخرى، لكنها معاً تشكل مشهداً مكتملا. ولم تكن تلك شهادة مجاملة، بل توصيف دقيق لشخص حمل السودان في لغته كما يُحمل الإرث الثقيل: بحب، وبوجع، وبمسؤولية.

في مساره الأكاديمي، جاءت رسالته للماجستير بعنوان:

«المنظور الاستراتيجي لتناول الصحافة المصرية لقضايا السودان – الأهرام واليوم السابع نموذجًا»، لتسلّط الضوء على منطقة ظل طال إهمالها: الإعلام بوصفه فاعل في العلاقات السودانية المصرية. كانت رسالته جرس تنبيه باكر إلى غياب الرؤية الاستراتيجية في تعاطي البلدين إعلامي، وجاءت – كما قال كثيرون – في وقتها تمامًا، قبل أن تتراكم سوء الفهم وتتحوّل إلى قناعات راسخة.

لكن، بعيدًا عن العناوين والمناصب، يبقى الجانب الإنساني هو الأكثر ثبات في شخصية راشد عبد الرحيم. رجل بأخلاق رفيعة، والتزام مبدئي بقيم المجتمع وتراثه، لا يتبدّل بتبدّل المواقع. إنسانيته ليست شعار يُرفع، بل سلوك يومي هادئ، يظهر في طريقته في الاختلاف، وفي وفائه للعِشرة، وفي احترامه للكلمة والناس معًا.

هكذا يبدو راشد عبد الرحيم:

صحفي اجتهد حتى صارت التجربة جزء من صوته،

ومحلل أنجز دون أن يتعالَى،

وإنسان ظلّ، رغم كل العواصف، وفي لجوهره الأول.

 

منى أبو العزائم

منى محمود أبو العزائم ليست اسماً عابرا في دفتر الصحافة السودانية، ولا ظلا لاسم عائلي عريق كما يحلو للبعض أن يختصر المسافات. صحيح أنها تنتمي إلى عائلة أبو العزائم، تلك التي اقترنت مبكراً بالفعل الصحفي، لكن الأصح – والأعدل – أن يقال إن منى شقّت طريقها بوعيها، وبصبر المهنة، وبانحيازها الصريح للكلمة المسؤولة، لا بوراثة الاسم ولا بالاتكاء على تاريخه.

عرفها القرّاء كاتبة صحفية ذات حضور ثابت، وعمودها الشهير «كلام مباح» في صحيفة الصيحة لم يكن مجرد مساحة رأي، بل نافذة لقول ما يُتحاشى قوله، بلغة هادئة حيناً، وحاسمة حين يستدعي المقام الحسم. تولّت رئاسة تحرير عدد من الصحف والمجلات، فكانت في موقع القرار لا الزينة، وفي قلب المعركة المهنية لا على هامشها.

لم تنغلق منى أبو العزائم داخل أسوار العمل الصحفي التقليدي، بل وسّعت دوائر اشتغالها لتشمل قضايا المرأة والطفل، وراكمت حضورا اجتماعيا وثقافياً لافتاً، جعلها من الأصوات التي يُصغى إليها حين يُفتح ملف السلم الاجتماعي والمصالحة الوطنية. وفي زمن اختلطت فيه الشعارات بالمزايدات، اختارت أن تشتغل على الأسئلة الثقيلة: العدالة، والإنصاف، والانتقال من الحرب إلى الدولة.

إصداراتها في مجال العدالة الانتقالية –

«العدالة الانتقالية وآليات المصالحة الوطنية القضائية وغير القضائية»،

و«العدالة الانتقالية والحوار الوطني» –

ليست كتباً ظرفية، بل محاولات جادة لرفد مكتبة سودانية تعاني شحاً واضحاً في هذا الحقل المعرفي الدقيق. وقد جاءت هذه المؤلفات ثمرة جهد تحليلي ورؤية فكرية، لا ترفاً أكاديمياً، ولا تكراراً لما قيل، بل إضافة حقيقية في لحظة وطنية تحتاج إلى مثل هذا الاشتغال الرصين.

إن سلسلة العدالة الانتقالية التي أطلقتها منى أبو العزائم تمثل منتجاً فكرياً فخماً بالمعنى المهني للكلمة، وتسهم – إن أُحسن توظيفها – في بناء وعي عام يضع الانتقال السليم فوق المصالح الضيقة، والعدالة فوق التسويات الهشّة.

منى أبو العزائم، في المحصلة، نموذج لصحفية صنعت اسمها بالكد، لا بالقرابة، وبالمعرفة لا بالضجيج، وبالالتزام الأخلاقي قبل أي شيء آخر. ولهذا يُشار إليها اليوم بالبنان، لا لأنها من “عائلة أبو العزائم”، بل لأنها هي منى أبو العزائم.

نواصل بحول الله وتوفيقه،،،،

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى