المقالات

عريب الرنتاوي : عن حماس التي نعرف وتلك التي لا نعرف!

متابعات | تسامح نيوز

عريب الرنتاوي : عن حماس التي نعرف وتلك التي لا نعرف!

 

تَخَطّى السجال حول مستقبل حركة المقاومة الفلسطينية-حماس، الحدود الفلسطينية، ليصبح سجالاً إقليمياً ودولياً، أملته وتمليه، حقيقتان أخفقت حرب الإبادة الممتدة لـ28 شهراً في تبديدهما:

أولاهما؛ أن هذه الحركة أثبتت أنها الأكثر شعبية وتمثيلاً في أوسط الشعب الفلسطيني، في الانتخابات (2006) والاستطلاعات، قبل الطوفان وبعده، مع أنها ما زالت خارج الأطر المغلقة بإحكام لما يسمى بـ “الشرعية الرسمية”، التي تمثلها السلطة والمنظمة.

وثانيتهما؛ أن الحرب الإسرائيلية (الأمريكية) على غزة، فشلت في تصفية الحركة واستئصالها، وسط قناعة متزايدة حتى في الأوساط المعادية لها، بأن الحركة وجدت لتبقى، وأنها لن تذهب إلى أي “مطرح”.

على أن السجال نفسه، يستبطن سؤالين وجوديين، يتفاعلان بقوة هذه الأيام، داخل حماس وخارجها، داخل فلسطين وخارجها … الأول؛ مستقبل سلاح الحركة ودورها القيادي المقاوم، والثاني؛ مرجعية الحركة الإسلامية (الإخوانية)، في زمن تشتد حملات التطويق والمحاصرة لمختلف تيارات الإسلام السياسي، باستثناء مدرسة واحدة من مدارسه (النصرة-الهيئة ومن سار على دربها)، وتتفاقم معه، المحاولات الرامية لتقليع أنياب ومخالب، كل من حمل السلاح من خارج رحم الدولة في الإقليم برمته…وسيتوقف على الطريقة التي ستجيب فيها الحركة، على هذين السؤالين، وما يتناسل عنهما من خطط وضغوط ومبادرات (اقرأ مؤامرات)، تقرير مستقبل الحركة ومصيرها.

ولن يشفع للحركة وقيادتها، أنها وشعبها، ما زالا في مرحلة تحرر وطني، وأن فكرة “الدولة الوطنية” المولجة بـ”قرار الحرب والسلم” و”حصرية السلاح”، لا تتماشى مع الواقع الفلسطيني المُعاش، وأن ما ينتظر شعبها في قادمات الأزمان، ربما يكون أصعب بكثير، مما واجهت قضيته الوطنية منذ أن صارت فلسطين “قضية/مسألة”، سيما مع تسارع وتائر زحف العنصرية والتطرف والفاشية، التي تجتاح الخريطة السياسية والحزبية والمجتمعية في إسرائيل.

حماس التي نعرف

ارتبط اسم حماس، بالمقاومة والسلاح، منذ اليوم الأول لانطلاقتها، وبعد أن صارت عنواناً رئيساً للمقاومة الفلسطينية المسلحة، وبهذا العنوان، عرف الشعب الفلسطيني حركته التي تأخرت انطلاقتها ربع قرن على الأقل، عن انطلاقة بقية الفصائل الفلسطينية…وحين تُذكر حماس، تُستذكر عملياتها “النوعية” في تسعينات القرن الفائت، وتُستذكر قوافل القادة الشهداء من قادتها الذين استهدفتهم إسرائيل بالتصفية والاغتيال، وتُسترجع حروب إسرائيل على قطاع غزة، بدءاً بالعام 2008 وحتى يومنا هذا…وتَقفز إلى صدارة المشهد عمليات تبادل الأسرى مع الاحتلال، قبل أن تَقرع الأذهان من دون استئذان، معركة “سيف القدس”، والتي مثلت “بروفة” للطوفان، الذي لم يكن في تفاصيله ويومياته، ليرد على خاطر أحد، ولم تبلغه أكثر “المُخيّلات” جموحاً …هذه هي حماس التي نعرف، ويعرفها شعبها، وبهذه الصورة قدمت الحركة نفسها للإقليم والعالم، تلكم هي “الهوية الجينية – DNA” للحركة وميزتها الرئيسة.

في كل ما طرحته الحركة من سياسات وبرامج، وكل ما أقدمت عليه من تحالفات داخلية وخارجية، كان هدف تعظيم قدراتها العسكرية، يحتل الأولوية الأولى…لم يقتصر الأمر على بناء ترسانة سلاح وأنفاق في قطاع غزة، حيث نجحت في تسجيل إنجازٍ مذهلٍ، صمد حتى اليوم، بل تخطاه إلى السعي لبناء قاعدة اقتدار عسكرية في الضفة الغربية…قَلَبَت كل حجر، وسَبَرَت أغوار كل فرصة، من أجل إقامة وإدامة، بنية عسكرية “جهادية” في الوطن المحتل وحوله من دول الجوار القريب والبعيد، سيما بعد أن تحولت “دول الطوق”، من طوق على إسرائيل إلى أطواق على مقاومتها…وفي هذا السياق العريض، يمكن فهم ديناميات علاقاتها وتحالفاتها، بالذات مع طهران و”أطراف المحور”، رغم الفجوات التي كانت تتسع حيناً وتضيق أحياناً، وكادت أن تحاكي في بعض الازمات (سوريا)، شفرتي المقص اللتان كلما تباعدتا، زادت قدرتهما على القطع والقطيعة.

وعلى الرغم من اتساع فجوة “الفالق المذهبي” الذي ضرب الإقليم على أعلى درجات “ريختر” منذ العام 2005 بخاصة على خلفية الأحداث الداخلية في كل من العراق ولبنان، ولاحقاً سوريا، كان الشعب الفلسطيني على الدوام، يميز بين مواقفه وتحفظاته على سياسات إيران والمحور من جهة، وموقفه من حماس من جهة ثانية، وكانت غالبية وازنة من الفلسطينيين تجد العذر للحركة في تحالفاتها مع هذه الأطراف، طالما أنها “المّوَرِّد الرئيس” لعناصر القوة والاقتدار العسكريين للحركة….فلا أولوية عند الشعب الفلسطيني تتقدم على أولوية مقاومة الاحتلال، وحماس كانت هي العنوان الرئيس لهذه المقاومة، تزامناً وتوازياً، مع تفاقم ميل السلطة والمنظمة وفتح، للتساوق مع مخرجات الحلول الأمريكية – الفلسطينية للقضية الفلسطينية، سيما في السنوات العشر الأخيرة.

وإذ اقترنت الهوية الكفاحية “الجهادية” للحركة، بمرجعية وخطاب إسلاميين (بطبعة إخوانية كما هو معروف)، فقد اقترنت حماس بهذه المرجعية بصورة لصيقة، واتخذت العلاقة بين “الجهاد” و”المرجعية” طابعاً شرطياً، غذّتها أعمق وأطول مرحلة “تديّن” وانتشار للحركات الإسلامية في العالمين العربي والإسلامي منذ ثمانينات القرن الفائت، وعززها استنكاف معظم الفصائل المحسوبة على التيارات الوطنية والعلمانية واليسارية، عن الاضطلاع بدور قيادي في مضمار الكفاح الوطني المسلح، وانتقال جيوش من المناضلين القدامى، إلى “الوظيفة العمومية” في كنف السلطة، وتحول من لديه منهم “بقية رمق”، إلى ميدان “العمل والمجتمع المدنيين”، منشغلين بأجندات وأولويات شتى، ليس من بينها مقاومة الاحتلال، جارّين خلفهم، ألوف النشطاء من جيل نشأ في أحضان أوسلو (في الضفة الغربية بخاصة)، وأُسقِطَ في مستنقع “الاحتواء الناعم”، وخضع لعمليات “غسيل أدمغة”، تحت شعارات زائفة ومضللة، روّح لها طوني بلير وكيت دايتون، وبتساوق مريب من قوى وشخصيات فلسطينية، دارت في مجملها، حول وهم “بناء دولة تحت جلد الاحتلال”، ورهانات من نوع الازدهار والديمقراطية تحت حراب الاحتلال وهراوات المستوطنين … لقد ابتلعت قوى كثيرة “الطعم”، ومفاده أنه كلما جنح الفلسطينيون للسكينة والتكيف، كلما اقترب موعدهم مع “الاستقلال الناجز”، لكأن مشكلة عدم قيام دولة فلسطينية، نابعة من تقصير الفلسطينيين أنفسهم، وليس بفعل أبشع احتلال فُرِض عليهم، واستمرأ “القوم” حكاية “الانسان الفلسطيني الجديد”، المثقل بالكمبيالات والديون، الذي يحافظ على مظهر “حداثي” ويترفع حتى رمي الاحتلال والمستوطنين بحجر…ويفسر ذلك، من ضمن عوامل أخرى (لا مجال لشرحها)، لماذا تخلفت الضفة عن ركب الاسناد الفاعل في معركة الطوفان.

في هذه الأثناء، كانت حماس ترسي قواعد “مجتمع مدني موازٍ”، تمحور بشكل خاص على فكرة المقاومة و”التمكين”، والتمكين هنا ليس بالمعنى المشتق من “النظرية الإخوانية للتمكين”، إذ تخطتها إلى تمكين المجتمع وإعادة بناء علاقته بفكرة “الجهاد”…مئات الجمعيات والمؤسسات التربية والدعوية والإغاثية والاجتماعية، من بيوت زكاة ورعاية أيتام وأرامل، إلى تحفيظ القرآن، إلى جانب جمعيات ومؤسسات حقوقية ونسائية وشبابية وطالبية، كانت على “اتصال” و”انفصال” مع مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني المتمحورة في غالبيتها العظمى، حول “التمويل الأجنبي”، أو تلك المرتبطة بعلاقات زبائنية مع السلطة.

بهذا المعنى، لا تختلف حماس فيما فعلته وتفعله اليوم، عن نظيراتها من جماعات الإخوان في البلدان العربية والإسلامية، إن من حيث الوسائل والأدوات، أو من حيث الرسالة والأهداف، ليظل الفارق الأبرز مستمداً من خصوصية الحالة الفلسطينية، حيث شبح الاحتلال حاضراً في كل لحظة وساعة، وحيث سيتعين على نشطاء الحركة في الضفة والقدس، العمل تحت “ضغط مركب”: السلطة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي.

وبهذا المعنى، يمكن القول من دون تردد، إن مرجعية حماس الإسلامية (الإخوانية) لطالما شكلت “الجينة الوراثية الثانية” للحركة، إلى جانب “السلاح”، وربما قبله…وبالقطع فإن الحركة التي نعرف، بتخليها عن هاتين “الجينتين الوراثيتين” ستصبح أخرى، مختلفة تماماً.

حماس التي لا نعرف

قلنا إن الحركة تواجه إلى جانب كل ما تواجه من تحديات السياسة والميدان، تحدي الإجابة على السؤالين اللذين بدأت بهما هذه المقالة: السلاح والمرجعية.

لم تذعن الحركة حتى الآن، لكل الضغوط متعددة المصادر لنزع سلاحها، بيد أن الممر الإجباري الذي التزمته لوقف حرب الإبادة، يمر حكماً أو ينتهي في خواتيمه، بفكرة نزع السلاح، ثقيله، إن لم يكن جميعه، وتدمير بنية الأنفاق بوصفها شرطاً “معمارياً” في ظاهره، وسياسياً مسبقاً في جوهره، لإعادة الإعمار القطاع المدمر…وثمة أصوات تزداد مساحةً وصخباً بمرور الوقت، تضع نزع السلاح وتحييده، في صدارة جدول أعمال المرحلة الثانية من اتفاقية وقف الحرب وقرار 2803.

لا ندري كيف ستخرج الحركة من دوامة الضغوط المتلاطمة هذه، كما لا ندري كيف ستوفق الحركة بين أولوية وقف المذبحة ومنع التهجير ورفع الحصار من جهة، بأولوية حفظ السلاح والاحتفاظ به من جهة ثانية … هو مخاض معقد بلا شك، تجد الحركة نفسها في قلبه، من دون حلفاء أقوياء، إذ حتى أقرب الناس إليها من “ثلاثي الوساطة”، لا يشاطرونها الرأي بشأن سلاحها، دع عنك “الفخاخ” الداخلية، التي تنخرط السلطة في زرعها على طريق محاولات الحركة النجاة من أطواق من الضغط والعزل.

لكن سؤالاً سيظل يراودنا، أياً كانت مآلات هذا المخاض: ما الذي سيتبقى من حماس، إن هي جنحت لخيار تسليم سلاحها، أو وضعه جانباً؟ … ماذا إن قررت الحركة التحول إلى “حزب سياسي”، يسعى للاندماج في المنظومة السياسية الفلسطينية؟ …. وما الذي ستأتي به أكثر مما فعله جماعات الإخوان في الدول القريبة والبعيدة، وهل ستظل حماس على ما هي عليه، وعلى ما نعرفه عنها، إن هي تخلت عن أحد أهم “جيناتها الوراثية”، واكتفت بخيار “الكفاح السلمي”؟

سيجيب البعض، وقد أجابوا مسبقاً، بأن حماس بمقدورها “الفصل” بين ذراعين: سياسي وعسكري، كأن تتحول الحركة إلى حزب “خلاصي” جديد، وتترك أمر المقاومة لجناح عسكري، في استعادة لتجربة الشين فين مع الجيش الجمهوري الإيرلندي، وحزب الشعوب (المساواة) مع حزب العمال الكردستاني في تركيا، خيارات تبدو منطقية في ظاهرها، بيد أن تعقيدات ترجمتها في الشرط الإسرائيلي-الإقليمي-الدولي المحيط بها، تجعل منها أمراً متعذراً، لدرجة تكاد تصبح مستحيلة، سيما في ظل تفاقم سياسات الهيمنة الأمريكية والتوحش الإسرائيلي والتهافت العربي – الإسلامي.

لعل تجربة “المؤتمر الوطني الأفريقي” الذي نجح بالمزج بين أكثف وأرقى أشكال المقاومة السلمية – الحقوقية، بمنسوب “مُحتمل” من الكفاح المسلح، تبدو أكثر “واقعية” في الشرط الفلسطيني القائم، لا لأن التجربتين واجهتا نظام أبارتيد وفصل عنصري بغيض فحسب، بل لأن أحداً لن يكون بمقدوره أن يسقط حق الفلسطينيين في المقاومة المسلحة، في زمن تشتد فيه وتائر العدوان المدجج بالسلاح والكراهية ضدهم…ولن يكون بمقدور أحد، أن يضمن “صفر مقاومة مسلحة”، طالما ظل الاحتلال جاثماً على صدور الفلسطينيين وعقولهم وضمائرهم …. يمكن لحماس أن تفكر بمزج مختلف أشكال المقاومة، واختيار ما يقوى شعبها على تحمّل أوزاره وتبعاته، بما في ذلك، منسوب معين من المقاومة المسلحة، يتطور بتطور الأحداث والظروف.

وحماس مطالبه بخلع هويتها الإخوانية، لتفادي عاصفة العداء للإخوان المسلمين، التي تشنها مراكز عربية وإسلامية وازنة ضد جماعاتها وفروعها المختلفة …صحيح أن حماس، حاولت أن تميز نفسها عن “الجماعة الأم”، فكرياً وسياسياً، وأنها أعلنت قطع روابطها التنظيمية مع الجماعة الأردنية، بيد أن الصحيح كذلك، أن هوية الحركة الإخوانية، كانت رافداً حاسماً، ما كان للحركة أن تبقى وتتمدد دون استمرار جريانه.

ولعل جزءاً رئيساً من الدعم والاسناد الشعبيين، اللذين حظيت بهما الحركة، فلسطينياً وعربياً وإسلامياً، إنما جاء بفعل هذه الهوية الإيديولوجية، لا جراء التخلي عنها، أو التبرؤ منها، والمفارقة المؤلمة لحماس، أن سبب قوتها الشعبية، هو ذاته، السبب وراء حملات الاستعداء والشيطنة والعزل التي تواجهها الحركة على المستوى العربي والدولي، فكيف ستعمل الحركة، وقيادتها، على تفكيك هذا اللغز، وكيف يمكنها التصدي لمثل هذه المفارقة؟

حماس التي لا نعرفها، هي حماس “الخالية من الدسم الإيديولوجي” والمجردة من أنيابها ومخالبها، هي كيان آخر، غير ذاك الذي عاش معه الفلسطينيون طيلة أربعة عقود من الزمان، ولعل هذا ما يتسبب في اشتداد مأزق الحركة هذه الأيام، ويفسر سرّ إبقائها على أوراقها “قريبة من صدرها”، فليس هناك خيار سهل يمكن تظهيره، وليس هناك طريقاً معبداً للخروج من عنق الزجاجة، فكافة الخيارات المتبقية للحركة، مكلفة، بل ومكلفة للغاية.

عريب الرنتاوي المستشار الأول، ومؤسس مركز القدس للدراسات السياسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى