
متابعات | تسامح نيوز
يا أهل السودان…
يا من شربتم من النيل صبرًا ، ومن تراب الوطن عزةً ، ومن التاريخ شموخًا وكبرياء ..
إن ما نزل بكم ليس حدثًا عابرًا في سجل الأيام ، بل بلاءٌ عظيم ، تمتحن به القلوب ، وتُمحَّص به الأرواح ، وتُكتب به صفحات من الصبر لا يخطها إلا المؤمنون الكبار .
حربٌ غاشمة باغتتكم على حين غِرّة ، فاختلط فيها صوت الرصاص بأنين الثكالى ، ودخان الحرائق بدموع الأطفال .
فقدتم أرواحًا بريئة ، ما حملت سلاحًا ولا أرادت قتالًا ، وإنما كانت تحلم بعيش كريم ، ومدرسة آمنة ، ولقمة طيبة ، وسقف يأويها .
انتهكت أعراض ، وسُلبت أموال ، وضاع متاع جمعتموه بعرق السنين ودموع الغربة ، في مهاجر الأرض ومغترباتها ، تبنون بيتًا حجرًا حجرًا ، وتغرسون حلمًا عامًا بعد عام ، فإذا به في لحظة نارٍ يصبح رمادًا .
أيها الصابرون ..
إنه عدوانٌ جاءكم من أقرب الناس مساكنةً وجوارًا وقربى ، فكان الجرح مضاعفًا ، والألم أعمق ، لأن طعنة القريب أشد وجعًا من سيف الغريب .
ثم زاد البلاء خذلان الأقربين والأبعدين ، وصمت العالم أو تواطؤه ، ودولٌ طامعة لا ترقب فيكم إلاًّ ولا ذمّة ، تنظر إلى خيرات بلادكم نظرة الجشع لا نظرة الأخوّة .
لكن .. ما ضاع دمٌ عند الله ، ولا ذرفتم دمعة ولا طعنتكم شوكة إلا كانت عنده محفوظة .
قال تعالى :
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾
ثم وعدهم وعدًا يسكب الطمأنينة في القلوب :
﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾.
يا أهل السودان ..
إن الله لا يمتحن أمةً تمثّلت أخلاق النبوة ، ولا يبتلي قومًا عرفوا المروءة بقتال عدوٍّ إلا لحكمةٍ بالغة .
لقد كان في سيرتكم من الخصال ما يُرجى معه الفرج ، كما قالت أم المؤمنين خديجة بنت خويلد للنبي الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم ، حين فزع عند أول نزول الوحي : « كلا، والله لا يُخزيك الله أبدًا ؛ إنك لتصل الرحم ، وتحمل الكلّ ، وتكسب المعدوم ، وتُقري الضيف، وتعين على نوائب الحق » .
وكأن هذه الكلمات اليوم تُقال لكم ،
فلَكم خبيئاتٌ من الأعمال الصالحة يعلمها الله ، وقد كنتم نعم الجوار ، تأوون الضيف ، وتساعدون القريب والبعيد ، وتقتسمون اللقمة مع الضيف و اللاجئ الفقير .
وكنتم حيثما اغتربتم قناديل علمٍ وعطاء ، وشركاء في التنمية والإعمار والبناء ، ونموذجًا في الأخلاق والأمانة بشهادة الدنيا قبل شهادة القريب .
لكن قدر الله أن تجدوا مقابل ذلك جحودًا وإعراضًا وعدوانًا ، وأن تحصدوا في ظاهر الأمر شرًّا وغدرًا وخذلانًا حيث زرعتم خيرًا وإحسانًا .
غير أن ما يقع ليس إلا ابتلاءً وامتحانًا ، صبر على مثله أولو العزم من الأنبياء والصالحين .
قال تعالى :
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ .
وقد تكون حكمة الله بكم خيرًا فيما حسبتموه شرًّا ، كما قال سبحانه :
﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾،
والعاقبة للمتقين الصابرين المحتسبين وعدًا لا يتخلّف .
يا أهل السودان ..
أنتم اليوم في موضعٍ قال الله فيه :
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ .
بغير حساب .. عطاءٌ لا تحدّه حدود ، ولا يحيط به تقدير بشر .
ولئن تكالبت عليكم قوى الأرض ، فإن رب الأرض والسماء قال :
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ .
إن الأمم العظيمة لا تُصنع في الرخاء ، بل تُصاغ في أتون المحن .
والسودان الذي عرف الممالك والحضارات ، واحتضن العلم والتصوف والقرآن ، لن يُطفئ نوره دخان حرب ، ولن تكسر إرادته جراح مؤقتة .
فرب محنةٍ في ظاهرها انكسار ، وفي باطنها ميلاد جديد .
صبرًا يا أهل السودان ..
فإن الله يرى ، ويسمع ، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور .
صبرًا فإن دم الشهداء نورٌ لا ينطفئ ، وصرخات المظلومين تصعد إلى السماء ليس بينها وبين الله حجاب .
صبرًا فإن موعدكم وعد الله ، ووعد الله حق ، والعاقبة للمتقين ولاعدوان إلا علي الظالمين.
فقط وحدوا صفكم والتفوا حول جيشكم
وتوكلوا علي ربكم يكتب لكم الفوز والنصر .





