
متابعات | تسامح نيوز
غير أن الموج – على هدوئه – لا يحمل الحكايات كلها كما جاءت؛ فبعضها يصلنا مثقلا بملح الغياب.
وفي “أمواج ناعمة” كثيرا ما نفتح الرسائل القديمة لنجد أن أحد أصحابها قد مضى قبل أن نُكمل القراءة، كأن البحر الذي ردّد أسماءهم طويلا قرر فجأة أن يستردهم إلى صمته العميق.
وهكذا يحدث أحيانا في مرافئ الزمالة الصحفية: نتهيأ لاستعادة سيرة، فنكتشف أننا نكتب مرثية؛ نمدّ يد التحية فنصافح الغياب.
فالصحافة، مثل البحر، لا تحتفظ بكل من عبرها؛ لكنها تحفظ أثر الخطى، ورائحة الحبر، وصدى الضحكات التي كانت تملأ غرف الأخبار.
واليوم، بينما تعود “أمواج ناعمة” إلى شاطئها المعتاد، تحمل معها حكاية من ذلك الجيل الذي كان يعبر المهنة بوقار البحّارة القدامى…
غير أن صاحب الحكاية سبق الكلمات هذه المرة، ومضى قبل أن تكتمل التلغرافة.
وهكذا وجدنا أنفسنا نكتب إليه… لا عنه.
مهلا يا نور الدين مدني أبو الحسن.. فقد كانت الحلقة (٢٧) من هذه التلغرافات ممهورة باسمك، معدّة لك، ولكلمات لم تُكتب إلا لأنك مررت من هنا يوما… لكنك – كعادتك مع الأخبار العاجلة – استعجلت الرحيل، وغادرت الصفحة قبل أن تقرأها.
مهلا يا نور الدين…
فالصحافة التي عرفتك لم تكن مجرد مهنة تؤكل بها الأرغفة اليابسة، بل كانت عندك طريقة في النظر إلى العالم؛ كنت ترى الكلمة كما يرى البحّار نجمة الشمال: علامة هداية لا ضجيج فيها ولا ادعاء.
كنت من ذلك الجيل الذهبي للصحفيين السودانيين؛ أولئك الذين لا تُقاس أعمارهم بعدد السنين، بل بعدد القلوب التي مرّوا بها وتركوا فيها أثرا لا يزول. جيل كان يكتب قبل أن يتعلم كثيرون كيف يصرخون، ويصغي قبل أن يتعلم آخرون كيف يتحدثون.
في بلاط صاحبة الجلالة عشت عمرك كله تقريبا. هناك، بين رائحة الورق الساخن وحبر المطابع، تركت بصمتك في صحف صارت جزءا من ذاكرة السودان الصحفية، مثل صحيفة الأيام وصحيفة الصحافة، حيث لم تكن مجرد صحفي يملأ الأعمدة، بل واحدا من البنائين الذين وضعوا حجارة الأساس.
وقد زاملتك في بعض الرحلات الصحفية داخل السودان وخارجه؛ رحلات كانت تختصر أحيانا المسافات بين المدن، لكنها كانت تكشف المسافات الأعمق بين الناس والأحداث. هناك رأيتك عن قرب: لم تكن ابتسامتك الشهيرة تفارقك، ولا تلك السخرية اللطيفة التي تعالج بها ما يعكر الصفو من هموم السياسة وتقلبات المجتمع.
كنت تمتلك تلك القدرة النادرة على أن تقول الأشياء الثقيلة بخفة محببة، كأنك تضع البلسم على جراح الواقع قبل أن تشير إليها.
وكان لعمودك الشهير «كلام الناس» حكاية أخرى. لم يكن عمودا صحفيا فحسب، بل نافذة صغيرة يطل منها القراء على ضمير هادئ، يقول الأشياء بوقار، ويترك للحكمة أن تمشي على مهلها بين السطور. هناك، في ذلك العمود، كنت تمزج بمهارة بين الجدية والموضوعية من جهة، وبين الطرفة والسخرية الخفيفة غير اللاذعة من جهة أخرى؛ مزيج نادر يجعل القارئ يبتسم وهو يفكر، ويفكر وهو يبتسم.
لكن مسيرة نور الدين مدني لم تكن مجرد أعمدة صحفية متتابعة؛ كانت أيضا رحلة طويلة عبر تحولات دراماتيكية في المشهد الإعلامي السوداني.
فقد عاصر حقبة كاملة يمكن أن تُقرأ كأنها فصول في كتاب صراع الكلمة الحرة.
بدأ رحلته في عصر المؤسسات الصحفية عملاقة خلال خمسينات وستينات القرن الماضي، حين كانت صحف مثل صحيفة الأيام وصحيفة الصحافة تقود الرأي العام وتشكّل المزاج الوطني. ثم شهد بعينيه لحظة التحول الكبرى في تأميم الصحافة في السودان 1970، حين تحولت الصحف إلى مؤسسات حكومية، وتبدلت ملامح المهنة كما يتبدل مجرى النهر بعد فيضان مفاجئ.
وعاش كذلك فترات القمع والرقابة، حين كانت الصحف تُعرض على مقصّ السلطة قبل أن ترى النور. في تلك السنوات القاسية، ظهرت براعة الصحفيين الحقيقيين في الكتابة بين السطور؛ وكانت تلك إحدى مهارات نور الدين مدني، الذي تعلّم كيف يمرر الرسائل التوعوية بذكاء، دون أن يطفئ شعلة الكلمة.
ومع اشتداد التضييق، حملته دروب الهجرة إلى أستراليا. غير أن المسافة لم تطفئ صوته؛ بل منحته أفقا جديدا. من هناك ساهم في تغذية الصحافة الرقمية السودانية، وواصل الكتابة عبر منصات مثل سودانيز اون لاين، ليصبح واحدا من رواد الصحافة الرقمية التي حافظت على استمرارية الصوت السوداني الحر خارج حدود الرقابة.
ولم يكن مدني صحفيا يكتب فحسب، بل كان أيضا معلما. لذلك لم يكن غريبا أن يلقبه كثيرون بـ «أستاذ الأجيال»، فقد أسهم في تدريب مئات الصحفيين في مؤسسات إعلامية عديدة، من بينها صحيفة السوداني، ناقلا إليهم تقاليد الدقة والموضوعية التي صنعت مجد الصحافة السودانية في عصرها الذهبي.
لهذا تبدو تجربة نور الدين مدني أشبه بسيرة حيّة لصراع الكلمة الحرة في السودان؛ سيرة رجل ظل يكتب رغم تقلبات الأنظمة السياسية، ورغم المنفى، ورغم المرض… كأنه كان يردد في داخله ذلك اليقين القديم: لا يأس مع الحياة.
وحين جاء خبر رحيله أمس الجمعة، السادس من مارس 2026، بدا الأمر كأن صفحة قديمة في دفتر الصحافة السودانية قد طُويت فجأة. نعتك الاحبار والورق قبل زملائك، وقالوا إنك كنت مدرسة صحفية متفردة، وصاحب قلم نظيف.. لكن الذين عرفوك أكثر يعرفون أنك كنت أيضا صاحب قلب نظيف.
مهلا يا نور الدين..
فالأجيال التي درّبتها ما تزال تمشي في طرقات المهنة، تحمل بعضا من هدوئك، وبعضا من رصانتك، وبعضا من ذلك الإيمان القديم بأن الصحافة يمكن أن تكون خدمة للناس قبل أن تكون مهنة.
رحلت، لكن كلماتك لم ترحل.
فالكتّاب الحقيقيون – يا صديقي – لا يغادرون تماما؛ إنهم يختبئون فقط بين السطور.
وهذه التلغرافة التي غبت عن قراءتها…
سنتركها على شاطئ الزمالة الصحفية، لعل موجة عابرة تحملها إليك هناك، حيث لا ضجيج غرف الأخبار، ولا سباق العناوين العاجلة.
الصورة المرفقة نور الدين (وسط) ومحمد لطيف (يمين) وشخصي (يسار) كنا في مهمة صحفية – الدمازين ٢٠١١
نواصل بعون الله،،،





