
متابعات | تسامح نيوز
كتب – الشاذلي حامد المادح
مدخل أول : جيرار برونييه (مؤرخ و باحث فرنسي متخصص في شؤون القرن الأفريقي) : انتقد التبسيط الغربي مؤكداً أن الصراع هو “وجود دولة” ضد “مليشيا نهب” و أن المتطوعين يدافعون عن بيوتهم في ظل غياب بدائل دولية .
مدخل ثان : روبرت كولفيل (محلل استراتيجي في الشؤون الأفريقية) : نبه إلى أن واشنطن تكرر خطأ “اجتثاث البعث” في السودان محذراً من أن الجهل بالتركيبة المحلية سيخلق فراغاً أمنياً و فوضى عارمة .
مدخل ثالث : أليكس دي وال(مدير مؤسسة السلام العالمي) : حذر من أن محاولة عزل المكونات الإسلامية المقاتلة قد تؤدي لتفكك الدولة كونهم جزءاً أصيلاً من النسيج الاجتماعي و ليسوا تنظيماً وافداً .
مدخل أخير : بروف حسن مكي: اعتبر البيان “طلقة فارغة” و إجراءا رمزياً للتغطية على إخفاقات واشنطن مؤكداً أن واقع الأرض يميل لصالح الدولة و تعافيها الميداني .
مدخل عام :
بينما يواجه المواطن السوداني رصاص المليشيا و صعوبات المعيشة بجلد و صبر تطل علينا واشنطن بقرار “انتقائي” يصنف جماعة الإخوان المسلمين و كتيبة “البراء بن مالك” كمنظمات إرهابية. هذا القرار لم يمر مرور الكرام في المجالس السودانية أو المنصات الرقمية بل فجر موجة من الاستهجان الشعبي ليس دفاعاً عن إيديولوجيا معينة بل رفضاً لـ “عدالة دولية عرجاء” تُجرم اليد التي قُبضت على الزناد ذوداً عن العرض و تُبارك اليد التي ولغت في دماء الأبرياء واستباحت الحرمات .
*التساؤل المشروع ..*
يسود الشارع السوداني تساؤل منطقي و مشروع : كيف تسارع الولايات المتحدة لوصم فصائل تقاتل رسمياً تحت لواء القوات المسلحة السودانية بـ “الإرهاب” بينما تلوذ بالصمت المطبق تجاه “مليشيا الدعم السريع”؟
إن حالة الرفض العام تنبع من إدراك المواطن البسيط للواقع الميداني فمليشيا الدعم السريع هي من احتلت البيوت و انتهكت الأعراض و دمرت البنية التحتية و نفذت تطهيراً عرقياً شهد به العالم أجمع. إن تجاوز هذه “المنظمة الإرهابية فعلياً” و القفز لتصنيف مجموعات “إسناد شعبي” يُعد قراراً سياسياً يفتقر للمصداقية و يغفل الحقائق الدامية على الأرض .
*كتيبة البراء والدعم السريع..* الحقيقة التي لا تُخطئها العين
في ميزان الرأي العام السوداني أن المقارنة تبدو غائبة تماماً .. فكيف يستوي من انخرط في “معركة الكرامة” مسنداً لكيان الدولة من الانهيار، ومن جاء “عابراً للحدود” كقوة احتلال وتدمير؟ إن الوجدان الشعبي يفرق جيداً بين “كتيبة البراء” التي تمثل مجموعة من شباب السودان من طلاب وعمال و موظفين تنادوا عفوياً من كل فج عميق لمساندة جيشهم دون أطماع في سلطة أو جاه هؤلاء هم “أولاد البلد” الذين لم يجمعهم تنظيم إيديولوجي بقدر ما جمعتهم غيرة الوطن و أعلنوا بوضوح أنهم سيعودون لحياتهم الطبيعية فور انتهاء الحرب في حين أن المقاتل في صفوف المليشيا هو “مرتزق” جُلب من أدغال أفريقيا و من وراء البحار في كولومبيا يتسابقون في عداد القتل (من قتل الألف) و استباحة الديار .
لقد كان أولى بواشنطن –إن كانت تنشد العدالة حقاً– أن تصنف هؤلاء القتلة المأجورين ومن جلبهم أولاً بدلاً من تجريم شباب لم يخرجوا إلا لحماية أرضهم و عرضهم. ولكن يبدو أن موازين واشنطن مختلة و للعدالة ربٌ يحميها و شارعٌ يدرك جيداً الفرق بين من يقف في الخندق ليحمي الأرض و بين من يسعى لإختطاف سيادة الدولة و تشريد شعبها .
*الخطر السياسي و الوجودي*
يرى السودانيون أن خطر الإخوان – مهما اختلف الناس حوله – هو شأن سياسي داخلي يُحسم عبر التوافق الوطني و الصناديق بينما خطر المليشيا هو خطر “وجودي” يهدد بقاء الإنسان السوداني في أرضه . لذا فإن تقديم تصنيف “الخصم السياسي” على “العدو الوجودي” يُعتبر في نظر الشارع انحيازاً سافراً يهدف لتمكين المتمردين و إضعاف الجبهة الداخلية للجيش .
*الإمارات في قفص الاتهام الشعبي*
لم يتوقف الغضب عند واشنطن فحسب بل اتجهت السهام نحو القوى الإقليمية التي تقتات على أوجاع السودانيين حيث تعالت الأصوات اليوم للمطالبة بتصنيف دولة الإمارات العربية المتحدة كدولة “راعية للإرهاب” .
هذا المطلب الشعبي يستند إلى تقارير دولية موثقة تؤكد أن شحنات السلاح الإماراتي هي الوقود الذي يُحرق به السودان. واعتبر الرأي العام أن الترحيب الإماراتي السريع بالقرار الأمريكي ضد الإخوان ليس سوى “استفزاز دبلوماسي” و محاولة بائسة لصرف الأنظار عن دورها في تمويل الفظائع التي ترتكبها المليشيا . إن الشارع يدرك جيداً أن من يمول القاتل هو شريك في القتل و أن محاولات التغطية على جرائم المليشيا بقمصان أمريكية بالية لن تخدع أحداً .
*الحذر من الفخ الأمريكي*
يتطلع الشعب لحكمة قيادته التي تدرك الحقيقة أكثر من أي جهة أخرى .. القيادة تدرك أن ركوب (سرج التصنيفات الأمريكية) لن ينجي الوطن بل يستهدف الجيش ليعزله عن مقاومته الشعبية .. مطلوب من القيادة اليوم أن تكون حازمة و حاسمة و تتحرك نحو شعبها و مصلحة بلادها و ألا تقع في فخ المكر الأمريكي-الإماراتي. إن الإرهاب الحقيقي هو من يسلبك منزلك و يقتل طفلك و ليس من يقف في الخندق ليمنع ذلك.
*الشارع السوداني هو. من يقرر*
إن الرسالة التي يبعث بها السودانيون اليوم للعالم واضحة : (لا تملوا علينا تصنيفاتكم بينما أنتم صمٌ عن صراخ ضحايانا) و إن محاولة “شيطنة” من يدافعون عن الدولة السودانية و تبرئة من يسعون لتفكيكها هي سياسة بائسة لن تزيد السودانيين إلا تمسكاً بجيشهم و بحقهم في تصنيف أعدائهم الحقيقيين . الإرهاب هو من يسلبك منزلك و يقتل طفلك و ليس من يقف في الخندق ليمنع ذلك .





