أخبار

د. ياسر محجوب الحسين : الكُرمك و”أبوعفين”

متابعات | تسامح نيوز 

متابعات | تسامح نيوز

لم يكن ما جرى في الكرمك – أقصى تخوم الجنوب الشرقي المتاخم لدولتي جنوب السودان وإثيوبيا – مجرد تطور ميداني عابر، بل هو جزء من محاولة مدروسة لإعادة تشكيل مسرح العمليات عبر فتح جبهات طرفية جديدة واستنزاف المركز. فالتقارير المتواترة تتحدث عن تنسيق ثلاثي بين مليشيا الدعم السريع، والحركة الشعبية المتمردة (شمال) – جناح منو كدا – مع ظهير إقليمي يتمثل في تسهيلات إثيوبية، مما يوحي بأن المعركة أصبحت رهينة تداخلات إقليمية وحسابات تتجاوز الحدود.

وتقوم هذه المقاربة على مبدأ «شد الأطراف بعد تحصين المركز». فبعد أن استعاد الجيش السوداني زمام المبادرة في المناطق الحيوية، دفع خصومه إلى إعادة توزيع الضغط نحو الهوامش، مستغلين الهشاشة الأمنية والتداخل الحدودي.

غير أن هذا التكتيك، على ما فيه من دهاء ظاهري، يذكرنا بسلوك “أبو عفين”؛ فذلك الكائن عندما يشعر بالخوف أو الحصار، يلجأ إلى حيلة “ادعاء الموت” ليهدئ من روع خصمه، ثم يباغته فجأة بإطلاق ريح منتنة تُزكم الأنوف وتشتت الانتباه. وبينما ينشغل الجميع بمدافعة تلك الرائحة الكريهة ومحاولة التخلص من أثرها، ينسل هو هارباً مولياً الأدبار.

هكذا يبدو الدور الإثيوبي في هذه الأزمة؛ فهو يمارس سياسة “المواربة” والإنكار الدبلوماسي (ادعاء الموت)، بينما يطلق في الخفاء أدوات الفوضى والتحالفات المشبوهة (الريح المنتنة) لإشغال الدولة السودانية بمعارك جانبية واستنزاف داخلي، ليتمكن هو من تمرير أجندته الجيوسياسية والهروب من استحقاقات حسن الجوار.

ويقتضي الحال للتعامل مع “أبو عفين” والتطورات المستجدة الأخذ بعدة ركائز:

• دقة الحسابات العسكرية: بحيث لا يُستدرج الجيش إلى حرب استنزاف طويلة على الأطراف تُبدد مكاسب المركز.

• استنفار داخلي شامل: يضمن تماسك الجبهة الوطنية في مواجهة محاولات التفتيت والإنهاك الممنهج.

• تحرك دبلوماسي دؤوب: يضع النقاط على الحروف في العلاقات مع إثيوبيا، وينقلها من مربع “الرمادية” إلى مربع الوضوح والمكاشفة الصريحة، لكبح هذه التدخلات.

لقد آن الأوان لمغادرة سياسة “النفس الطويل” حين تتحول إلى غطاء للتردد. فالمعركة لم تعد فقط مع مليشيا متمردة، بل مع بيئة إقليمية تحاول إعادة تشكيل موازين القوة داخل السودان لصالح أجندات خارجية. إن الكرمك هي جرس إنذار صارخ: إما أن يُقرأ جيداً، أو يُترك ليكون حلقة في سلسلة استنزاف قد تطول وتكلف البلاد الكثير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى