أخبار

قطاع البصات السفرية في السودان.. حكاية شريان يوشك أن يتوقف

متابعات | تسامح نيوز

قطاع البصات السفرية في السودان.. حكاية شريان يوشك أن يتوقف

كتب – سيف الدين آدم هارون

في فجرٍ باكر، وعلى أطراف موقف السفر، كان “عم حسن” يقف بجوار بصه العتيق، يربّت على هيكله كما لو كان يواسي صديقاً قديماً. لم تكن تلك مجرد مركبة تنقل ركاباً بين عطبرة والخرطوم، بل كانت حكاية عمر، ومصدر رزق، وجزءاً من ذاكرة وطن.

تجمّع الركاب بصمت، يحمل كلٌ منهم همومه الصغيرة، ويعلّقها على أمل الوصول. كانت الوجوه متعبة، لكن البص ظل دائماً مساحة نجاة، يختصر المسافات ويجمع بين المدن التي فرّقتها الظروف.

قطاع البصات السفرية في السودان.. حكاية شريان يوشك أن يتوقف
نقابة الصحفيين

لكن “عم حسن” لم يعد كما كان. قبل أن يدير المحرك، كان يعدّ في ذهنه تكلفة الرحلة: الوقود الذي يلتهم معظم الإيراد، الرسوم التي تُفرض عند كل نقطة، والمصروفات التي لا ترحم. يدرك جيداً أن ما سيجنيه في نهاية الرحلة قد لا يكفي، لكنه يواصل… لأن التوقف ليس خياراً.

على الطريق الطويل، تتكرر الحكاية. نقاط تحصيل، رسوم متباينة، وواقع يزداد قسوة. وبين كل محطة وأخرى، يتساءل: كيف يمكن لقطاعٍ يحمل الناس في أصعب الظروف أن يُترك وحيداً في مواجهة هذا العبء؟

في الاستراحة، يتبادل السائقون الحديث. أحدهم قرر بيع بصه، وآخر خرج من السوق بعد سنوات طويلة. الأرقام لم تعد مجرد إحصاءات؛ أكثر من عشرين شركة غادرت بالفعل، تاركة خلفها فراغاً لا يُرى بالعين، لكنه يُحسّ في صعوبة السفر وارتفاع تكلفته.

يستعيد “عم حسن” أياماً كان فيها هذا العمل مجزياً، وكانت الرحلات تسير بانسياب. اليوم، كل شيء تغيّر. التذكرة التي يدفعها الراكب بالكاد تغطي الوقود، بينما تتقاسم الرسوم والجبايات ما تبقى. أما الربح، فصار رقماً ضئيلاً لا يعكس حجم المخاطر ولا تعب الطريق.

ورغم ذلك، لم يتخلَّ هذا القطاع عن دوره. في الأزمات، كان أول الحاضرين: ينقل المصابين، يعيد العالقين، ويخفف عن الناس قسوة الظروف. لكنه اليوم، هو من يحتاج إلى من ينقذه.

صوت رئيس الغرفة القومية للبصات السفرية، قريب الله البدري، لم يكن مجرد تصريح، بل صرخة من قلب المهنة. تحذير واضح بأن استمرار هذا الوضع قد يقود إلى توقف كامل.

وفي مكانٍ ما، يُنتظر القرار. تتجه الأنظار إلى وزير المالية، جبريل إبراهيم، علّه يلتقط الخيط قبل أن ينقطع. فالإعفاءات أو التخفيضات الضريبية لم تعد رفاهية، بل ضرورة لبقاء هذا الشريان حياً.

مع غروب الشمس، يصل البص إلى وجهته. ينزل الركاب، ويبقى “عم حسن” للحظات داخل مقعده، ينظر إلى الطريق الذي قطعه. يعرف أنه سيعود من جديد… لكن السؤال الذي يثقل قلبه: إلى متى؟

هكذا تمضي الحكاية… بين طريقٍ لا ينتهي، وقطاعٍ يقف على حافة التوقف، ينتظر قراراً قد يعيد إليه الحياة… أو يتركه يختفي بصمت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى