المقالات

إستقالة تهز القطاع المصرفي.. ماذا يحدث داخل بنك النيلين؟

متابعات | تسامح نيوز

متابعات  | تسامح نيوز

 

 

 

 

 

 

كتب -محمدعثمان الرضي

 

لم تكن إستقالة المدير العام لبنك النيلين حدثا عاديا يمكن المرور عليه مرور الكرام، بل جاءت كالصاعقة التي هزت أروقة القطاع المصرفي السوداني وأثارت عاصفة من التساؤلات المشروعة.

بنك النيلين ليس مصرفا خاصا أو مؤسسة هامشية، بل يعد واحدا من البنوك الحكومية الكبرى، إذ يمتلك بنك السودان المركزي %99 من أسهمه بينما تمتلك وزارة المالية الإتحادية النسبة المتبقية.

خطورة الحدث لا تكمن فقط في الإستقالة نفسها، وإنما في السرعة القياسية التي تمت بها بعد يومين فقط من توقيع عقد العمل.

هذه الواقعة تعد سابقة نادرة وربما الأولى من نوعها في تاريخ الجهاز المصرفي السوداني، الأمر الذي منحها أبعادا أكثر خطورة وتعقيدا.

إختيار المصرفي المخضرم سليمان هاشم لمنصب المدير العام لم يأت من فراغ، بل جاء بعد مشاورات وضغوط مكثفة مارستها قيادات مصرفية بارزة رأت فيه الرجل المناسب للمرحلة.

الرجل بحسب المقربين منه لم يكن متحمسا لقبول المنصب في البداية، لكنه رضخ في نهاية المطاف لرغبة زملائه وثقتهم الكبيرة في قدراته المهنية.

سليمان هاشم يعد من الأسماء الثقيلة في عالم العمل المصرفي بالسودان، فهو يمتلك خبرة تراكمية تمتد لعقود طويلة.

قاد بنك المزارع لسنوات قاربت الأربعة عشر عاما ونجح خلال تلك الفترة في صناعة تجربة مصرفية مستقرة رغم التحديات الإقتصادية المعقدة.

بعد ذلك إنتقل إلي بنك تنمية الصادرات وظل يدير المؤسسة خلال أصعب فترات الحرب والتدهور الإقتصادي، ما أكسبه سمعة مهنية عالية.

كما يعتبر من مؤسسي بنك التضامن الإسلامي، وهو ما يعكس حجم خبراته وعلاقاته داخل القطاع المصرفي السوداني.

لذلك فإن إستقالة رجل بهذه الخبرة وبعد ساعات قليلة من تسلمه المنصب لا يمكن تفسيرها بأنها خطوة عادية أو قرار شخصي عابر.

المعلومات المتداولة تشير إلي أن المدير العام الجديد وقف ميدانيا علي أوضاع البنك وإستمع مباشرة للعاملين فيه قبل أن يتخذ قراره الصادم بالإستقالة.

هذه الخطوة توحي بأن الرجل إكتشف أوضاعا مقلقة دفعت به إلي مغادرة الموقع بسرعة غير متوقعة.

ما حدث فتح الباب واسعا أمام التكهنات حول طبيعة الأزمات التي يعيشها البنك داخليا.

الرأي العام المصرفي بات يتساءل: هل يعاني البنك من إختلالات إدارية أم مشاكل مالية أم صراعات داخلية تعيق عملية الإصلاح؟

الأخطر من ذلك أن بنك النيلين مملوك بالكامل للدولة، ما يعني أن أي أزمة داخله تنعكس مباشرة علي سمعة الجهاز المصرفي الرسمي.

بنك السودان المركزي بصفته المالك الأكبر والمشرف علي العمل المصرفي مطالب اليوم بتوضيح الحقائق للرأي العام دون مواربة أو غموض.

الصمت في مثل هذه القضايا الحساسة لا يخدم الإستقرار المصرفي بل يضاعف حجم الشائعات والمخاوف وسط المتعاملين مع البنوك.

الثقة تعد العمود الفقري لأي مؤسسة مصرفية، ومتي ما تعرضت هذه الثقة للإهتزاز فإن التداعيات قد تكون خطيرة للغاية.

القطاع المصرفي السوداني يعيش أصلا أوضاعا شديدة التعقيد بفعل الحرب والأزمة الإقتصادية.

لذلك فإن ظهور أزمة جديدة داخل بنك حكومي كبير يمثل مؤشرا مقلقا يجب التعامل معه بأقصي درجات الجدية والمسؤولية.

إستقالة سليمان هاشم بهذه الطريقة وضعت علامات إستفهام ضخمة حول البيئة الإدارية داخل البنك.

كما أنها أعادت النقاش مجددا حول معايير الحوكمة والرقابة داخل المؤسسات المصرفية الحكومية.

كثير من المراقبين يرون أن ما حدث يمثل جرس إنذار مبكر لوجود مشاكل أعمق من مجرد تغيير إداري عادي.

المطلوب الآن ليس إطلاق التبريرات أو دفن الحقائق، وإنما الشفافية الكاملة وكشف أسباب الأزمة للرأي العام.

معالجة الأوضاع داخل بنك النيلين تتطلب تدخلا عاجلا من محافظ بنك السودان قبل أن تتفاقم الأزمة بصورة أكبر.

الإصلاح الحقيقي يبدأ بالمحاسبة الواضحة لكل من تسبب في أي تقصير أو إخفاق داخل المؤسسة إن ثبت ذلك.

كذلك فإن إعادة بناء الثقة تحتاج إلي قرارات قوية تعيد الإطمئنان للعملاء والعاملين والشركاء في القطاع المصرفي.

سمعة البنوك مسألة شديدة الحساسية، لأن أي إهتزاز فيها ينعكس مباشرة علي حركة الإقتصاد وثقة المستثمرين والمتعاملين.

إستقالة سليمان هاشم لم تكن مجرد مغادرة لمنصب إداري، بل كانت حجرا ضخما ألقي في بركة القطاع المصرفي الراكدة وكشف أن هناك ما يستحق التوقف عنده طويلا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى