أخبار

حامد الناظر يكتب: هنا بورتسودان

متابعات | تسامح نيوز

متابعات | تسامح نيوز

قبل واحدٍ وثلاثين عامًا من الآن، وربما أكثر بقليل، حين انقدحت الشرارة للمرة الأولى في ذلك الصيف البعيد، لم أكن أتخيل أنني سأسلك هذا المسار الطويل، أو أمشي كل هذه السنوات من دون أن التفت إلى الوراء أو أفكر بالعودة إلى النقطة التي انطلقت منها الخطوة الأولى لأغلق الدائرة رغم أن ذلك حلم، وهو على بساطته يبدو مستحيلًا وعلى الضفة الأخرى دائمًا، خاصة حين أنظر إليه الآن من نافذة قرن آخر، لكنها أقدار الله.

على أي حال، انطلقت التجربة من هذا المكان، من إذاعة ولاية البحر الأحمر في بورتسودان. هنا، جربت للمرة الأولى الحديث إلى الناس عبر الراديو، وكانت تجربة مثيرة وفيها مس من السحر في كل تفاصيلها. الإذاعة نفسها كانت شيئًا مدهشًا بالنسبة لسكان الولاية الذين استمعوا إلى أصواتهم ولغاتهم وموسيقاهم وأخبارهم للمرة الأولى في ١٢ مايو ١٩٩٤ رغم أن الإذاعة الأم في أم درمان أنشئت في مثل هذه الأيام من العام ١٩٤٠، وهذا وقت طويل جدًا. على أي حال، لذلك كان ميلاد الإذاعة -في حد ذاته- حدثًا في الولاية أنسى الناس مرارة الإهمال، وما تزال تكافح من أجل أن يبقى صوتها موجودًا ومؤثرًا كما كان.

لنبدأ بحكومة الولاية التي كانت الأقل سخاءً في الاحتفاء بميلادها، وربما لم تساهم بشيء، وكان أمرًا محيّرًا وكأنها أقيمت على أرض أخرى ولشعبٍ آخر، إلى حد أنها كانت حائرة أيضًا إلى أي إدارة أو وزارة تتبعها حتى فتح الله عليها فاستتبعتها لوزارة الشؤون الاجتماعية والثقافية إلى جانب (إدارات الزكاة والشؤون الدينية ورعاية الأيتام والمعاقين والمتقاعدين واتحادات الشباب والمرأة والرياضة… إلخ) وكل ما تريد الحكومة إزاحته من مرمى نظرها وحشره في وزارة هامشية لا موارد لها، وقد كانت حماقة حكومية ما تزال الإذاعة تدفع ثمنها إلى اليوم. ورغم إنشاء هيئة خاصة بالإذاعة والتلفزيون، وحالة الاستقلال النسبي مؤخرًا إلا أن النظرة الأبوية القديمة ظلت على حالها “فالحكومات صدرها واسع على كل حال” .

لقد مضى الأمر في النهاية، وتم بجهود شعبية جبارة مثلتها “لجنة دعم الإذاعة”، وهي لجنة أهلية مؤلفة من أعيان المدينة وميسوريها ومديري الشركات الخاصة والحكومية. وفّرت هذه اللجنة مشكورة المقر الأول الكائن بحي المحلج وسكن العاملين القريب منه والأثاث والسيارات وكل شيء، عدا طبعًا الأجهزة والكوادر الفنية التي تكفلت بها الإذاعة القومية كجزء من واجباتها باعتبار التبعية الفنية والإدارية ضمن منظومة الإذاعات الولائية. كما ساهم المجتمع من فنانين وموسيقيين وملحنين وممثلين وكتاب وباحثين وشعراء ورجال دين في تأسيس مكتبتها وتدفق برامجها، وقد أكتب إذا سمحت الظروف عن الكثير من هذه الشخصيات والمؤسسات التي ساهمت في تأسيس مشروع الإذاعة ونجاحها.

حتى الناس العاديين، من المواطنين والمستمعين كانوا يعبرون عن فرحتهم بالإذاعة على طريقتهم، يهاتفونها، ويرسلون إليها الرسائل الحميمة باليد وعبر البريد من مدن وقرى الولاية المختلفة، بل ويزورونها في أي وقت، يحملون إلى العاملين فيها حلوى وحليبًا وشايًا وهدايا ووجبات، وقد كان شيئًا عجيبًا. في هذه الأجواء المفعمة بالحفاوة تقدمت للالتحاق بالعمل مذيعًا متعاونًا بمجرد انتهائي من المرحلة الثانوية وضجيج الدورات المدرسية، وأجريت اختبار الصوت واللغة في ليلة صيفية لا أنساها، في حضور الأستاذ علم الدين حامد مدير الإذاعة في ذلك الوقت، وعبد الحكيم طه كبير المذيعين ورئيس الأخبار، إلى جانب مدير مدرسة البحر الأحمر الثانوية التي تخرجت منها لتوي، المرحوم الأستاذ عبد المجيد عثمان وكذلك المرحوم الأستاذ محمود….، أستاذ اللغة العربية والبلاغة في مدرستي نفسها، وقد كنت محظوظًا أنني تجاوزت الاختبار بفضل ثقتهم ومحبتهم.

بعد شهر من التحاقي بالإذاعة رأى الأستاذ عثمان شلكاوي نائب المدير أن أتقدم خطوة، فقرأت خبرًا واحدًا في النشرة الرياضية التي كان يعدها الزميل المرحوم أوهاج هيكل، وقدمها الزميل معتصم عبد القادر. كانت النشرة مسجلة، وتذاع على الساعة الرابعة وخمس وأربعين دقيقة عصرًا. أخبرت الدنيا كلها في ذلك اليوم، لكي يسمعوا صوتي في خبر يتيم محشور بين أخبار كثيرة وبالكاد يمكن تمييزه، ومع أن التقاليد في ذلك الوقت كانت تمنع إذاعة اسماء المذيعين الجدد حتى يُجازوا بصورة نهائية، وقد يستغرق الأمر شهورًا، إلا أنني كنت سعيدًا سعادة لا توصف وكأن الدنيا كلها صارت تعرف أنني تحدثت عبر الراديو، وعلى وقع ذلك استدنتُ صندوق سجائر من التجاني صاحب (طبلية) في سوق حينا، يشغل صوت الراديو إلى حده الأقصى ولا أعرف إن كنت سددت الدين أم لا، لأنني لم أتلق أي مقابل عن عملي لفترة طويلة، وتلك حكاية أخرى

امتدت التجرية بعد ذلك، وشملت إعداد البرامج وتقديمها، ومع الانتقال للدراسة الجامعية في الخرطوم خضت تجارب أخرى، مع إذاعة ولاية الخرطوم وإذاعة أم درمان والوحدة الوطنية ووادي النيل والبرنامج الثاني وملتقى النيلين والبيت السوداني وغيرها من الإذاعات على امتداد عشرة أعوام أخرى، وما زلت مدينًا لتلك التجربة عبر محطاتها المختلفة في تكويني المهني وانتقالي بعد ذلك إلى الآفة الكبرى التي تسمى التلفزيون، والذي لم أحبه كما أحببتُ الإذاعة (وحب الناس مذاهب).

هذه التدوينة لا تهدف إلى أي غرض توثيقي أو سِيَري بخصوص بيتي الأول، إذاعة البحر الأحمر، بقدر ما أن دافعي هو الحنين، وتأكيد وفائي لتلك الأيام. أحببت في هذه المناسبة العزيزة على قلبي أن أهنيء زملائي وزميلاتي في إذاعة بورتسودان بالعيد الثاني والثلاثين لانطلاقها، خاصة لجيلنا جيل المؤسسين، ومن التحقوا بالقطار من بعدنا، وأشد على أيديهم على الرغم من كل الظروف التي مرت وتمر بها هذه الإذاعة التي ظلمتها الحكومات المتعاقبة، كما أترحم بهذه المناسبة على زملائي وزميلاتي الذين غادروا من دون وداع لائق إلى الجانب الآخر، وأسأل الله لهم الرحمة والمغفرة. لقد كانت التجربة كبيرة بهؤلاء جميعًا وغيرهم، وما تزال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى